ولا يجوز أن ينفرد الإمام -رئيس الدولة الأعلى- فضلاً عن نوَّابه وولاته في الأقاليم بفرض هذه الضرائب، وتحديد مقاديرها، وأخذها من الناس، بل لا بد أن يتم ذلك بموافقة رجال الشورى وأهل الحل والعقد في الأمة. وقد قلنا: إن الأصل في أموال الأفراد الحرمة، والأصل أيضًا براءة الذمم من التكاليف، فإذا كانت الحاجة والمصلحة توجب أخذ بعض المال من حائزيه، وتكليف الناس أعباء مالية، فهذا أمر خطير لا يصح البت فيه إلا برأي أولى الرأي، وموافقة أهل الحل والعقد، فهم الذين يستطيعون مراعاة الشروط السالفة، فيتبينون وجوه الحاجة إلى المال، ويعرفون كفاية الموارد الأخرى أو عجزها، ويضعون من التنظيم ما يكفل توزيع أعباء الضريبة على الرعية بالعدل، مستعينين بالخبراء وأهل الاختصاص، ثم يراقبون بعد ذلك صرف الحصيلة التي تُجبى فيما جُمعت لأجله من المصالح والمرافق والإنتاج والخدمات.
وجوب الشورى من الكتاب والسُنَّة
ولا نقول ذلك من عند أنفسنا، فهذا ما يدل عليه الكتاب والسُنَّة:
أما الكتاب: فقد جعل الشورى عنصرًا أساسيًا من العناصر التي تكون المجتمع المؤمن، قال تعالى: (والَّذيِنَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأقَامُواْ الصَّلاةَ وَأمْرَهُمْ شُورَى بَيْنَهمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (الشورى:38)، فجعل الشورى قرينة للاستجابة لله، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزق الله، وذلك في العهد المكي، وهو عهد تقرير المبادئ والأصول، والطابع العام لأسلوبه هو الوصف مدحًا وثناءً، أو ذمًا وتقريعًا.
وفي العهد المدني نزل قوله تعالى: (وَشَاوِرهُمْ فِي الأمْرِ، فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوكَّلْ عَلَى اللَّه) (آل عمران:159). ولما كان العهد المدني عهد تشريع وتنظيم للمجتمع الإسلامي، فقد اتخذت الآية أسلوب الأمر، وكان الطابع العام هو الأمر والنهي.