ولقد رأينا فقهاء الشافعية يقررون أن الغزاة "المرتزقة" الذين لهم سهم في الفيء -وبعبارة أخرى: الجنود النظاميين الذين لهم راتب من الخزانة العامة- لا يجوز أن يُصرف لهم شيء من أموال الزكاة. فأما سهم "سبيل الله" فهو للمتطوعة من المجاهدين. ولكنهم بحثوا هنا ما إذا لم يكن في الخزانة العامة شيء يُعطي منه للجنود المنتظمين، واحتاج المسلمون إلى من يكفيهم شر الكفار، فمن أين يُعطي هؤلاء المنتظمون ما يقوم بحاجاتهم ومطالبهم؟
لقد رجح النووي وغيره من أئمة الشافعية أنه يلزم أغنياء المسلمين إعانتهم من غير مال الزكاة (انظر: الروضة: 2/321، وتحفة المحتاج: 3/96).
ثالثًا - قواعد الشريعة الكلية:
وليس الأمر مقصورًا على قاعدة إيجاب "ما لا يتم الواجب إلا به"، فإن هناك قواعد كلية ومبادئ تشريعية عامة، أصلها علماء الإسلام أخذًا من نصوص الشريعة، ومن استقراء أحكامها الجزئية، وأصبحت بذلك أصولاً تشريعية يُحتكم إليها، ويعول عليها، ويُهتدَي بها عند التقنين أو الفتوى أو القضاء.
ومن هذه القواعد: "رعاية المصالح"، "درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة"، "تفويت أدنى المصلحتين تحصيلاً لأعلاهما"، "يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام" (انظر في هذه القواعد: الأشباه والنظائر لابن نجيم، قسم القواعد، وأيضًا: أصول التشريع للخضري).
ولا ريب أن تحكيم هذه القواعد الشرعية لا يؤدى إلى إباحة الضرائب فحسب، بل يحتم فرضها وأخذها، تحقيقًا لمصالح الأمة والدولة، ودرءًا للمفاسد والأضرار والأخطار عنها -ما لم تكن عندها موارد أخرى كافية كالبترول- ولو تركت دولة الإسلام العصرية دون ضرائب تنفق منها، لكان من المحتم أن تزول بعد زمن يسير من قيامها، وينخر الضعف كيانها من كل نواحيه، فضلاً عن الأخطار العسكرية عليها.
ولهذا أفتى علماء المسلمين في عصور مختلفة بوجوب إمداد بيت المال بما يلزمه من ضرائب يفرضها الحاكم المسلم لدرء خطر أو سد حاجة.