فالأمة المسلمة متكافلة متضامنة في حقوقها ومصالحها وأنفسها وأموالها، فمن أضاع مال غيره فكأنما أضاع مال نفسد، أو أضاع مال المجتمع كله، ومن اعتدى على نفس أخيه بالقتل فكأنما قتل نفسه، أو اعتدى على الجماعة كلها، كما جاء في الآية الأخرى: (أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا) (المائدة: 32)..
وما أروع هذا القرآن وأبلغ إعجازه حيث يشير بعبارة أو جزء من عبارة إلى حقيقة كبيرة، أو مبدأ عظيم كما في الآية من سورة النساء: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (النساء: 29).. حيث أضاف الأموال فيها إلى جميع المخاطبين فلم يقل: "لا يأكل بعضكم مال بعض"، لينبه على أن المجتمع المسلم وحدة متضامنة في كل شيء. كأنه يقول: إن مال الآخرين هو مالكم في الحقيقة، ومال كل فرد منكم، هو مال المجتمع كله في الواقع.
يقول السيد رشيد رضا في تفسير الآية: "إن مثل هذه الإضافة قد قررت في الإسلام قاعدة الاشتراك التي يرمى إليها الاشتراكيون في هذا الزمان، ولم يهتدوا إلى سنة عادلة فيها، ولو التمسوها في الإسلام لوجدوها، ذلك بأن الإسلام يجعل مال كل من فرد من أفراده المتبعين له مالاً لأمته كلها، مع احترام الحيازة والملكية، وحفظ حقوقها، فهو يوجب على كل ذي مال كثير حقوقًا معينة للمصالح العامة، كما يوجب عليه وعلى جميع البشر، ويحث فوق ذلك على البر والإحسان، والصدقة الدائمة والمؤقتة، والهدية".. إلخ (تفسير المنار: 5 / 39 - الطبعة الثانية).
نخلص من هذا كله إلى أن للجماعة حقًا أكيدًا في مال الفرد، حقًا لا يسلبه ملكيته المشروعة له، بل يجعل جزءًا معينًا لمصالحها العامة، وأكثر منه عند اقتضاء الحاجة، واستدعاء المصلحة.