كم يبذل من الجهد صاحب المزرعة الواسعة، أو المصنع الكبير، أو المؤسسة الضخمة ذات الفروع؟ وكم يقاس جهده إذا كان له جهد إداري مثلا، بجانب جهد العشرات أو المئات أو الألوف من أبناء المجتمع الذين يعملون معه، ويبذلون من عرق جبينهم،أو نور أعينهم، أو وهج أفكارهم؟! ومن أجل هذا كان المال الذي يحوزه مكتسبه، وينسب إليه، هو مال الجماعة أيضا، ينسب إليها، ويحسب عليها، وتكلف متضامنة بالمحافظة عليه.
وهذا ما جعل القرآن الكريم يخاطب جماعة المسلمين فيقول: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا) (النساء: 5)..
وقد أخذ الفقهاء من هذه الآية حكم الحجر على السفهاء والمبذرين المتلافين، وإن كان المال في ظاهر الأمر مالهم وفي حيازتهم، وهم مالكوه إلا أنه في الحقيقة مال الجماعة، إن نما وحفظ فالنفع يعود عليها، وإن تلف وبعثر فالضرر لاحق بها.
ومن هنا تفهم سر التعبير في الآية الكريمة إذ تقول: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم)، ولم تقل "أموالهم" حسبما تنص عقود الأموال، كما لم تقل: "التي جعل الله لهم قيامًا" بل قالت: (التي جعل الله لكم قيامًا). فإنها وإن كانت لهم حيازة وملكًا، فهي قيام للجماعة كلها، وعصب لحياتها.
ويقول القرآن أيضًا: (يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيمًا) (النساء: 29)..
فالآية الكريمة تنهى أن يأكل المؤمنون بعضهم مال بعض، كما تنهى أن يقتل بعضهم بعضًا، وإنما اختارت الآية التعبير بـ"أموالكم" و"أنفسكم" ليشعر كل منهم أن مال بعضهم هو مال كلهم، وأن نفس كل فرد منهم كنفس الآخر.