تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلولا المجتمع وحياة الجماعة، لصار الفرد كالحيوان الأعجم، لا يدري من أمور دنياه شيئًا، أو يكون كالطفل لا يستطيع أن يميز بين ما يضره وما ينفعه، فالمجتمع هو الذي يعدل من سلوكه، ويعاونه على التكيف مع الحياة في مختلف مراحلها.

إن الفرد يولد وعقله كالصفحة البيضاء، ثم يعمل المجتمع بعد ذلك على تغذيته بأسباب التراث الاجتماعي، مما يتركه السلف للخلف، من لغة وثقافة وعقائد وتقاليد وغيرها (راجع كتاب "علم الاجتماع" للدكتور أحمد الخشاب فصل "الفرد في المجتمع" ص 36) ..

الفرد إذن مدين للمجتمع بلا ريب، وهذا كما يصدق على مكاسب الفرد المعنوية والثقافية والحضارية، يصدق على مكاسبه المادية والاقتصادية.

فالذي لا شك فيه أن الفرد -وإن أوتي من المواهب ما أوتي- لم يكسب المال بجهده وحده، بل شاركت فيه جهود وأفكار وأيد كثيرة لا تحصى، بعضها ساهم من قريب، وبعضها ساهم من بعيد، بعضها عن قصد، وبعضها عن غير قصد، وكلها أسباب عاونت في وصول المال إلى صاحبه.

فإذا نظرنا مثلاً إلى الزارع الذي حصد القمح، كيف حصل على قمحه هذا؟ وما قيمة جهده بجانب جهد المجتمع؟ إن المجتمع هو الذي شق له الترع والقنوات ونظم الري والصرف، وصنع له المحراث وغيره من أدوات الزراعة، وأمده بما يحتاج إليه من قوت وملبس ومسكن، وهيأ له الأمن والاستقرار. إلى غير ذلك من الأمور التي لا تحصى.

وإذا نظرنا إلى التاجر مثلاً، كيف جمع ماله، وحقق كسبه؟ رأينا للمجتمع عليه الفضل الأكبر، واليد الطولى، فممن يشتري؟ ولمن يبيع؟ ومع من يعمل؟ وبمن يسير إذا لم يكن المجتمع ومعاونة المجتمع؟

ومثل الزارع والتاجر، الصانع والموظف وكل ذي حرفة وكل ذي مال.

وكلما كان مال المالك أكثر، وثروته أوسع، كان جهد الجماعة أظهر وأعظم، ونصيب الفرد فيه أقل وأصغر، فإن طاقة الفرد للعمل محدودة -ولا شك- بحدود قدرته ووقته وضروراته كإنسان.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٩٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٩٣٩