تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال صاحب "الكشاف" في قوله تعالى: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه). يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما مَّولكم إيَّاها، وخولكم الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء بالتصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله، وليهن عليكم الإنفاق من مال غيره إذا أذن له فيه (الكشاف: 3 / 200).

وليست ثمرة العلم بأن المال مال الله، والإنسان فيه بمنزلة النائب أو الوكيل، مقصور على تهوين البذل والإنفاق عليه، حيث ينفق من مال غيره وقد أذن له فيه، بل يفيد العلم بهذه الحقيقة أيضًا أن يتقيد الإنسان بمشيئة المالك الحقيقي للمال، فإن الوكيل ما هو إلا ممثل لإرادة الموكل، ومنفذ لما يطلبه، وليس له حق الانفراد بالتصرف حسبما يهوى ويشتهي، وإلا بطلت وكالته، ولم يعد جديرًا بحق الاستخلاف الذي أساء استعماله.

وقد نبه علماؤنا -رحمهم الله- على حق الله في المال بعبارات بليغة، نذكر منها ما قاله الإمام الرازي في تفسيره:

"إن الفقراء عيال الله، والأغنياء خزان الله، لأن الأموال التي في أيديهم أموال الله، فليس بمستبعد أن يقول الله المالك لخازنه: اصرف على المحتاجين من عيالي" (التفسير الكبير: 16 / 103).

وما قاله القاضي ابن العربي (أحكام القران ص 945).: إن الله بحكمته البالغة، وأحكامه الماضية العالية، خص بعض الناس بالأموال دون البعض، نعمة منه عليهم، وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم يردونه إلى من لا مال له، نيابة عنه سبحانه وتعالى فيما ضمنه بفضله لهم في قوله: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) (هود: 6).

فإذا ضن الغني -وهو الخازن لمال الله والأمين عليه- بهذا المال على عيال الله، واختص نفسه بنعمته دونهم، فقد استوجب نكال الله وعقوبته.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٩٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٩٣٧