كل ما يقوم به الإنسان في "الإنتاج" لا يتجاوز التغيير في أوضاع الأشياء وأماكنها، كأن يستخلصها من مواطنها الأصلية بالاستخراج أو الصيد مثلاً، أو ينقلها من مكان تزيد فيه عن الحاجة إلى مكان يحتاج إليها فيه، أو يحفظها عن طريق التعبئة والخزن لينتفع بها في المستقبل، أو يخضعها لبعض المؤثرات لتصبح صالحة لسد حاجة ما، أو يحولها من شكل إلى آخر بالحلج أو الغزل أو النقش أو الطحن. إلخ، أو يؤلف بينها تأليفًا خاصًا فيجعل منها شيئًا جديدًا. هو مجرد التغيير في أوضاع العناصر وأماكنها، حتى في حال إحداث ثروة جديدة لم تكن من قبل، كما في الزراعة أو تربية الحيوان، لا يعمل الإنسان أكثر مما يعمله في المظاهر الإنتاجية الأخرى (انظر: الاقتصاد السياسي للدكتور علي عبد الواحد وافي ص 74 - 76 الطبعة الخامسة).
هذا ما يقرره فلاسفة الاقتصاد بوضوح في بيان وظيفة الإنسانية في الإنتاج: مجرد تحوير وتغيير في أوضاع وأماكن الأشياء الموجودة فعلا، ومن موجدها؟ إنه (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه:5).
(الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (إبراهيم: 32 - 34).
حتى هذا التغيير والتحوير من الذي يسَّر سبله للإنسان، ومنحه القدرة على فعله وأمده بكل ما يعينه في هذا السبيل؟ إنه ربنا الذي خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا، وعلمه ما لم يكن يعلم.
ولنضرب لذلك بعض الأمثلة: