ومن أبرز أوجه الاختلاف بين الزكاة والضريبة، هو الأساس الذي بني عليه فرض كل منهما. فالأساس القانوني لفرض الضريبة قد اختلف في تحديده على نظريات متباينة سنذكرها. أما الزكاة، فإن أساسها واضح، لأن موجبها هو الله عز وجل، وسنجليه في نظريات أربع، لا تعارض بينها، وإنما يشد بعضها أزر بعض، وقد آثرت أن أفرد لذلك فصلاً مستقلاً حتى أوفيه حقه إن شاء الله.
الزكاة عبادة وضريبة معًا
ومن هنا، نستطيع أن نقول: إن الزكاة ضريبة وعبادة معًا، هي ضريبة لأنها حق مالي معلوم تشرف عليه الدولة، وتأخذها كرهًا إن لم تؤد طوعًا، وتنفق حصيلتها في تحقيق أهداف تعود على المجتمع بالخير.
وهي قبل ذلك عبادة وشعيرة. يتقرب بأدائها المسلم إلى الله، ويشعر حين يؤديها أنه يحقق ركنًا من أركان الإسلام، وشعبه من شعب الإيمان، وأنه يعين بها من يعطيه على طاعة الله تعالى، ومن هنا كان إيتاؤها طاعة وصلاحًا، ومنعها فسقًا صُراحًا، وجحودها كفرًا بواحًا، فهي حق الله الذي لا يسقط بتأخر الجابي، ولا بإهمال الحاكم، ولا بمرور السنين وليست كالضريبة: تجب بطلب الحكومة لها، وتسقط بعدمه
والذي يهمنا أن نذكره هنا: أن علماءنا رحمهم الله قد تنبهوا ونبهوا علي أن الزكاة تشتمل على هذين المعنيين: معنى الضريبة، ومعنى العبادة، وإن لم يعبروا عن الضريبة بهذا اللفظ نفسه، لأنه اصطلاح متأخر، وقد يعبرون عن هذا المفهوم بأنها "حق" واجب للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء (انظر: بداية المجتهد لابن رشد: 1 /237 - طبع مطبعة الاستقامة). أو يعبرون عنه بأنها "صلة للرحم" أي الإنسانية أو الإسلامية، بجانب ما فيها من شائبة العبادة.