إن الذي يتضح لنا مما صح من تلك الأحاديث (قد بينّا درجتها في أول هذا الباب). أن الزكاة هي الحق الدوري المحدد الثابت في المال، والواجب على الأعيان بصفة دائمة، شكرًا لنعمة الله، وتطهيرًا وتزكية للنفس والمال، وهو حق واجب الأداء، ولو لم يوجد فقير يستحق المواساة أو حاجة تستدعي المساهمة.
فالفرد المسلم المالك للنصاب في الظروف العادية لا يُطالب بشيء في ماله غير الزكاة، فإذا أداها فقد قضى ما عليه، وأذهب عن نفسه شر ماله، وليس عليه شيء آخر، إلا أن يطوع، كما جاء في الحديث.
أما الحقوق الأخرى فهي حقوق طارئة غير ثابتة ثبوت الزكاة، وغير مقدرة بمقدار معلوم، كمقادير الزكاة، فهي تختلف باختلاف الأحوال والحاجات، وتتغير بتغير العصور والبيئات والملابسات.
وهي في الغالب لا تجب على الأعيان بل على الكفاية، إذا قام بها البعض سقط الحرج عن الباقين، وقد تتعين أحيانًا كأن يرى الشخص مضطرًا وهو قادر على دفع ضرورته فيجب عليه دفعها، أو يكون له جار جائع أو عريان وهو قادر على معونته، كما أن الغالب أن توكل هذه الحقوق إلى إيمان الأفراد وضمائرهم دون تدخل السُلطة. إلا أن يرى حاكم مسلم أن يفرض بقوة القانون. فرضًا ما أوجبه الإيمان إيجابًا، وخاصة إذا كثرت حاجات الأفراد واتسعت نفقات الدولة وأعباؤها كما في عصرنا الحديث. فحينئذ لا بد من تدخل الدولة وإلزامها.