وهذه النصوص الواضحة من الفقهاء الذين صرحوا بأن لا حق في المال سوى الزكاة، تبين لنا أن النافين إنما قصدوا نفي المكوس الجائرة التي يفرضها بعض الحكام، توسعة على أنفسهم وأتباعهم، وتضييقًا على شعوبهم، وإن لم تدفع إلى ذلك حاجة، ولم تقتضه مصلحة عامة، وكأنما خشي هؤلاء العلماء أن يتخذ الحكام الظلمة قولهم ذريعة إلى فرض المكوس والضرائب المرهقة بغير حق، فسدّوا عليهم الباب، وقطعوا عليهم السبيل بقولهم: "لا حق في المال سوى الزكاة" (سيأتي مزيد إيضاح لذلك في الباب التاسع: الزكاة والضريبة - الفصل السابع).
ولكن هناك جملة مواضع اختلف فيها الفريقان اختلافًا حقيقيًا، منها:
( أ ) حق الزرع والثمر عند الحصاد.
( ب )وحقوق الماشي من الإبل والغنم والخيل.
(جـ) وحق الضيف.
( د ) وحق الماعون.
فهذه كلها في نظر أصحاب المذهب الثاني حقوق واجبة في المال، يأثم المسلم إن قصر في أدائها ويستحق عقوبة الله على ذلك.
وهي عند أصحاب المذهب الأول حقوق مندوبة ينال مثوبة الله إذا هو أداها، ولا يأثم بتركها، ما لم تكن هناك ضرورة إليها، فتجب، كما قال الجصاص في عارية الدلو والقدر والفأس ونحوها (أحكام القرآن للجصاص: 3/584). إن عارية هذه الآلات قد تكون واجبة في حال الضرورة إليها، ومانعها مذموم مستحق للذم، وقد يمنعها المانع لغير ضرورة، فينبئ ذلك عن لؤم، ومجانبة أخلاق المسلمين، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : (بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق) أهـ (رواه البخاري في الأدب المفرد، وابن سعد في الطبقات، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة، بإسناد صحيح، كما في التيسير: 1/362).