والخامس: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (فإن نصره حق على كل مسلم) فإن ظاهر هذا وجوب النصرة، وذلك فرع وجوب الضيافة.
قال: "إذا تقرر هذا تقرر ضعف ما ذهب إليه الجمهور، وكانت أحاديث الضيافة مخصصة لأحاديث حرمة الأموال إلا بطيبة الأنفس، ولحديث: (ليس في المال حق سوى الزكاة).
"ومن التعسفات حمل أحاديث الضيافة على سد الرمق، فإن هذا مما لم يقم عليه دليل، ولا دعت إليه حاجة".
"وكذلك تخصيص الوجوب بأهل الوبر دون أهل المدن" أهـ (نيل الأوطار - المرجع السابق ص163).
الدليل الخامس - حق الماعون:
واستدلوا -خامسًا- بما جاء في القرآن الكريم من الوعيد بشأن الذين يمنعون الماعون. قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ الَّذيِنَ هُمْ يُرَاءُونَ ويمنعون الماعون) (الماعون: 4 - 7)، وقد روى أبو داود في باب "حقوق المال" من كتاب الزكاة عن عبد الله بن مسعود قال: (كنا نعد الماعون على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عارية الدلو والقدر) (الحديث سكت عليه أبو داود ثم المنذري -مختصر السنن: 2/247 وأخرجه البيهقي أيضًا: 4/183).
ومعنى هذا أن إعارة هذه الأشياء الصغيرة التي يحتاج إليها الجيران بعضهم من بعض واجبة؛ لأن ما نعهما مذموم مستحق للويل، كالساهي عن الصلاة المرائي ولا يستحق المكلف الويل إلا على ترك واجب.
وإذا ثبت أن إعارة هذه الأشياء واجبة وهي غير الزكاة قطعًا، فقد ثبت أن في المال حقًا سوى الزكاة.
وروى ابن حزم بسنده عن ابن مسعود أيضًا: الماعون ما تعاوره الناس بينهم: الفأس، والقدر، واشباهه (ذكره ابن حزم في المحلي -9/168 من طريق ابن أبي شيبة)، وعن ابن عباس في تفسير الماعون المذكور في الآية: أنه متاع البيت، وروى عنه: العارية (المرجع السابق، والبيهقي: 4/183-184)، ومثله عن عليّ ابن أبي طالب (المحلي: المرجع المذكور)، وعن أم عطية: هي المهنة يتعاطاها الناس بينهم (المرجع السابق).