فالجمهور على أن الضيافة من مكارم الأخلاق، ومحاسن الدين، وليست واجبة، خلافًا لليث بن سعد، فإنه أوجبها ليلة واحدة.
وحجة الجمهور ما جاء في الحديث المتفق عليه: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة)... الحديث.
فلفظ (جائزته) المذكور في الحديث يدل على الاستحباب فإن الجائزة هي العطية والصلة التي أصلها على الندب، وقلما يُستعمل هذا اللفظ في الواجب، ومعنى الحديث: الاهتمام بالضيف في أول يوم وليلة وإتحافه بما يستطيع من بر وإلطاف (انظر: نيل الأوطار: 8/132-163- طبع الحلبي).
كما استندوا أيضًا إلى الأحاديث القاضية بحرمة مال المسلم إلا بطيب نفسه، والأحاديث الدالة على أن ليس في المال حق سوى الزكاة.
أما الأحاديث الواردة في حق الضيف، فقد كان لهم منها مواقف:
قال الخطابي: "إنما كان يلزم ذلك في زمنه -صلى الله عليه وسلم- حيث لم يكن بيت مال، وأما اليوم فأرزاقهم في بيت المال، لا حق لهم في أموال المسلمين".
وحمله بعضهم على أن هذا كان في أول الإسلام، إذ كانت المواساة واجبة، فلما اتسع الإسلام نُسخِ ذلك (نيل الأوطار: 8/162).
قال الشوكاني: "والحق وجوب الضيافة لأمور:
الأول: إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك، وهذا لا يكون في غير واجب.
والثاني: التأكيد البالغ بجعل ذلك فرع الإيمان بالله واليوم الآخر، ويفيد أن فعل خلافه فعل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ومعلوم أن فروع الإيمان مأمور بها. ثم تعليق ذلك بالإكرام وهو أخص من الضيافة، فهو دال على لزومها بالأولى.
والثالث: قوله: (فما وراء ذلك فهو صدقة) فهو صريح أن ما قبل ذلك غير صدقة، بل واجب شرعًا.
والرابع: قوله: (ليلة الضيف حق واجب) فهذا تصريح بالوجوب، لم يأت ما يدل على تأويله.