ومن ذلك ما شاع لدى المتأخرين من أهل الفقه: أن لا حق في المال سوى الزكاة، وأصبح هذا كالقضية المسلمة عند كثير من المشتغلين بالعلم الديني، وسنعرض في هذا الباب لهذه القضية على ضوء النصوص الثابتة، والقواعد الشرعية المحكمة، مبينين ما نراه الحق في هذا الموضوع.
وسيشتمل هذا الباب على فصول ثلاثة:
الأول: في بيان رأي من نفى أن في المال حقًا سوى الزكاة.
والثاني: في رأي القائلين بأن في المال حقًا سوى الزكاة.
والثالث: في تحرير موضع النزاع بين الفريقين، وترجيح الراجح.
الفصل الأول
رأي من نفى أن في المال حقًا سوى الزكاة
فهرس
موقفهم من النصوص المعارضة
تمهيد
الأحاديث التي احتج بها النافون
ذهب كثير من الفقهاء (نسبه في البحر (2/138) إلى الأكثر). إلى أن الحق الوحيد في المال هو الزكاة، فمن أخرج زكاته فقد طهر ماله، وبرئت ذمته، ولا يطالب بعدها بشيء آخر، إلا ما تطوع به، رغبة في مثوبة الله وابتغاء زيادة الأجر، وهذا المذهب هو الذي اشتهر عند المتأخرين حتى لا يكاد يُعرف غيره.
الأحاديث التي احتج بها النافون
1- استند أصحاب هذا الحديث إلى الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما عن طلحة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أهل نجد، ثائر الرأس، يُسمع دوي صوته، ولا يُفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : وصيام رمضان. قال: هل عليَّ غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع، وذكر الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها قال: لا، إلا أن تطوع) فأدبر وهو يقول: لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (أفلح إن صدق)، أو: (دخل الجنة إن صدق) (رواه الستة إلا الترمذي، كما في جمع الفوائد: 1/11).