وأما قولهم: الغنى ملك النصاب، والفقير لا غنى له، فلا تجب عليه فقد رد عليهم أيضًا بعموم الأحاديث الصحيحة المروية في إيجاب زكاة "الفطر" على كل مسلم بما في ذلك الغني والفقير، وبما صرح به أبو هريرة في حديثه: (غني أو فقير)، وما رواه أحمد وأبو داود عن ثعلبة بن أبي صغير عن أبيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أدوا صدقة الفطر صاعًا من قمح -أو قال: بر- عن كل إنسان صغير أو كبير، حر أو مملوك، غني أو فقير، ذكر أو أنثى. أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى)، وفي رواية أبي داود: (صاع من بر أو قمح عن كل اثنين).
ولأن هذه الصدقة -كما قال ابن قدامة- حق مال لا يزيد بزيادة المال، فلا يعتبر وجوب النصاب فيها كالكفارة، ولا يمنع أن يؤخذ منه ويعطى، كمن وجب عليه العشر في زرعه وهو بعد محتاج إلى ما يكفيه وعياله.
وحديث: (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) محمول على صدقة المال وهذه صدقة خاصة عن البدن والنفس (انظر: المغنى: 3/74).
والذي أراه: أن للشارع هدفًا أخلاقيًا تربويًا -وراء الهدف المالي- من فرض هذه الزكاة على كل مسلم غني أو فقير. ذلك هو تدريب المسلم على الإنفاق في الضراء كما ينفق في السراء، والبذل في العسر، كما يبذل في اليسر، ومن صفات المتقين التي ذكرها القرآن أنهم (ينفقون في السراء والضراء) (آل عمران: 134)، وبهذا يتعلم المسلم -وإن كان فقير المال، رقيق الحال- أن تكون يده هي العليا، وأن يذوق لذة الإعطاء والإفضال على غيره، ولو كان ذلك يومًا في كل عام، ولهذا أرجح مذهب الجمهور الذين لم يشترطوا لوجوب هذه الزكاة ملك النصاب.
كما أرجح رأي أبي حنيفة وغيره ممن أوجبها على الزوجة في مالها، لما فيه من إشعار المرأة المسلمة بهذا الواجب السنوي، وتعويدها البذل من مالها الخاص، لا مجرد الاعتماد على الزوج. فإذا تطوع الزوج فأخرج عنها جاز.
شرط وجوب الفطرة على الفقير