وفي هذا خلط كثير. فقد رأينا أن الفقهاء شبه مجمعين على وجوب الفطرة، حتى نقل ابن المنذر الإجماع عليه، وإذا شذ اثنان أو ثلاثة في أعصر مختلفة فلا عبرة بشذوذهم. أما عند المالكية فلا تعتبر عندهم إلا واجبًا، كما هو المعتمد في كتب المذهب. انظر مثلاً: بلغة السالك على الشرح الصغير للدردير: 1/237، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه: 1/504 أما ما نقل عن أشهب فليس هو المعتمد في المذهب. دليل شاخت اغتر بقول ابن أبي زيد في "الرسالة": زكاة الفطر سنة واجبة فرضها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الكبير والصغير... إلخ. مع أنه لم يكتف بقوله: "سنة" حتى قال: "واجبة فرضها رسول الله"، ولهذا قال الشراح: المشهور أنها فرض بالسنة. انظر: شرح الرسالة لزروق:1/341، ومالك صرح في "الموطأ" بوجوبها واستدل عليه بالحديث، كما ذكرنا قبل , وإذن لا يكون وجوب زكاة الفطر من الرأي الذي ساد أخيرًا كما زعم شاخت، بل مما عرف منذ عهد النبوة).
حكمة مشروعيتها
والحكمة في إيجاب هذا الزكاة ما جاء عن ابن عباس، قال: (فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين) (رواه أبو داود في باب زكاة الفطر وسكت عليه هو والمنذري، وهو بمثابة التحسين منهما كما قيل، ورواه الحاكم (1/409)، وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي ورواه ابن ماجة أيضًا في باب زكاة الفطر، والدارقطني ص219وقال: ليس في رواته مجروح، والبيهقي ص163، وانظر: المرقاة: 4/173، ونصب الراية: 2/411، وتكملة الحديث: "من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".
واللغو: ما لا فائدة فيه، وما لا يعني، وقيل: الباطل، والرفث: هو في الأصل ما يتصل بالجماع وما يتعلق به مما يجري بين المرء وزوجه. ثم استعمل في كل كلام قبيح).
فهذه الحكمة مركبة من أمرين: