وقد صرح أبو العالية وعطاء وابن سيرين بأنها فريضة. كما في البخاري (ذكره معلقًا وقال الحافظ في الفتح: وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، ووصله ابن أبي شيبة من طريق عاصم الأحول عن الآخرين، وإنما اقتصر البخاري على ذكر هؤلاء لكونهم صرحوا بفرضيتها وإلا فقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك").
وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد.
وذهب الحنفية إلى أنها واجبة، وليست فرضًا، بناء على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب. فالفرض عندهم ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، ومن آثار هذه التفرقة: أن جاحد الفرض يكفر، أما جاحد الواجب فلا يكفر، ولهذا يسمون الواجب: "الفرض العملي" في مقابلة "الفرض الاعتقادي"، وهذا بخلاف الفرض عند الأئمة الثلاثة، فإنه يشمل القسمين: ما ثبت بقطعي وبظني، وبهذا نعلم: أن الحنفية ليسوا مخالفين للمذاهب الثلاثة في الحكم (قال المحقق ابن الهمام: لا خلاف في المعنى: فإن الافتراض الذي يثبتونه ليس على وجه يكفر جاحده، فهو معنى الوجوب الذي نقول به، غايته أن الفرض في اصطلاحهم أعم من الواجب في عرفنا، فأطلقناه على أحد جزأيه، وإنما قال الحنفية بالوجوب هنا دون الفرضية لوجود بعض الخلاف في وجوبها، وما ورد من أحاديث فليست قطعية الثبوت ولا الدلالة. (انظر: المرقاة على المشكاة: 4/160)، وإنما هو اختلاف في الاصطلاح، ولا مشاحة فيه.