ولكن الإسلام دين واقعي. إنه لا يشرع للقمم العالية، وينسى السفوح الهابطة. لا يشرع للحالات الرائعة النادرة، ويغفل الأحوال الطبيعية السائدة إنه لا يفترض البشر ملائكة يمشون على الأرض أولي أجنحة، ولكنه يفترضهم بشرًا كثيرًا ما تسوقهم غرائزهم وتسول لهم أنفسهم الأمارة بالسوء، ويوسوس لهم شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، وتغريهم أعراض الحياة الدنيا، وتتقاذفهم أمواج الفتن المظلمة، وهذا ما يجعلهم يتنازعون ويتخاصمون ويتقاتلون. فتشتم أعراض، وتسلب أموال، وتسفك دماء.
التقاتل قديم في البشر
وقد وقع هذا منذ كان على وجه هذه الأرض الواسعة أسرة واحدة مكونة من والدين وأولادهما: آدم وحواء وبنيهما وبناتهما -ولم يمنع ذلك أن يعتدي أخ على أخيه فيقتله بغيًا وعدوانًا، مما حقق سوء ظن الملائكة بهذا المخلوق الجديد الذي استخلفه الله في الأرض، حين قالوا متطلعين إلى رتبة الخلافة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) (البقرة:30).
وقد قص القرآن علينا قصة ابني آدم لنرى فيها كيف يكون الإنسان إذا انساق وراء الغريزة وأغفل داعي الإيمان. قال تعالى: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه، قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي، فأصبح من النادمين) (المائدة: 27-31).
في هذا الوقت المبكر من حياة البشر-حيث لم يكن يعرف الإنسان كيف توارى سوأة الميت، ولم ير ميتًا يدفن بعد- قتل الإنسان أخاه الإنسان، أخاه لأمه وأبيه!