تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد رأينا هذه الصور النموذجية للمجتمع المتآخي المتحاب، في المجتمع الإسلامي الأول، الذي ضمته مدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم- رغم ما هناك من تباين كان يمكن أن يقف عقبة في سبيل هذا الإخاء الرائع، فالمجتمع يتألف من المهاجرين وهم قوم وافدون دخلاء على أهل البلد، وهم من العرب المستعربة -أعني العدنانيين، ومن الأنصار وهم أهل البلد وأصحابه وهم من العرب العرباء -أعني القحطانيين، وبين كل من القحطانيين والعدنانيين تنافس وتفاخر قديم، وحتى هؤلاء الأنصار يتألفون من بطنين كبيرين طالما قامت بينهما حروب ودماء تخلفت عنها ترات وأحقاد، وهما الأوس والخزرج، ومع هذا تجد بين هؤلاء وأولئك الحبشي كبلال، والفارسي كسلمان، والرومي كصهيب، وهناك فوق ذلك البدوي الخشن كأبي ذر، والمتحضر الذي ربي في أحضان النعيم كمصعب بن عمير.

ومع ذلك كله قام -في ظل الإيمان- ذلك الإخاء الفريد، الذي لم تكتحل عين الدنيا برؤية مثله. فرأينا المجتمع الذي يحب الفرد فيه لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، ويرى إيمانه لا يكمل بغير هذا. بل رأينا فيه من يؤثر أخاه على نفسه، ويجود بالطعام وهو أشد ما يكون جوعًا، ويتنازل عن الماء وهو أشد ما يكون عطشًا، وقد رسم القرآن لنا صورة من هذا المجتمع الفاضل في قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (الحشر: 8-9).

الإسلام يشرع للواقع

هذا هو المجتمع الذي يضعه الإسلام نصب عينيه صورة مثلى، تتطلع إليها الأعين، وتصبو إليها النفوس، ويعمل المخلصون على أن تكون واقعًا يلمسه الناس.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٨٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٨٣٧