تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذا المعنى جاءت جملةُ أحاديث تُرهِّب من المسألة بوعيد تنفطر له القلوب.

من ذلك ما رواه الشيخان والنسائي عن ابن عمر مرفوعًا: (لا تزال المسألةُ بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم ).

ومنها ما رواه أصحابُ السنن: (من سأل وله ما يغنيه جاءت يوم القيامة خموش أو خدوش أو كدوح في وجهه)، فقيل: يا رسول الله! وما الغنى؟ قال: (خمسون درهمًا أو قيمتها ذهبًا) (رواه الأربعة).

فالمسألة تصيب الإنسان في أخص مظهر لكرامته وإنسانيته وهو وجهه.

ومنها حديث: (من سأل وله أوقية فقد ألحف) (رواه أبو داود والنسائي).

والأوقية أربعون درهمًا.

ومنها حديث: (من سأل وعنده ما يغنيه. فإنما يستكثر من النار -أو من جمر جهنم- فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: (قدر ما يغديه ويعشيه) (رواه أبو داود).

وهل المراد أن عنده غداء يوم وعشاءه؟ أم المراد أنه يكسب قوت يوم بيوم، فيجد غداءه وعشاءه على دائم الأوقات؟

لعل هذا هو الأرجح والأليق، فمثل هذا هو الذي يجد من رزقه المتجدد ما يغنيه عن ذل السؤال.

الغِنَى الذي يُحرِّم السؤالَ

ولكن لماذا اختلفت مقادير الغنى الذي يَحرُمُ معه السؤال في هذه الأحاديث؟

إن أفضل جواب عن هذا السؤال ما ذكره العلامة ولي الله الدهلوي في كتابه الفريد: "حُجَّة الله البالغة" حيث قال (الجزء الثاني ص46 - طبع المنيرية): هذه الأحاديث ليست متخالفة عندنا؛ لأن الناس على منازل شتى، ولك واحد كسب لا يمكن أن يتحول عنه، فمن كان كاسبًا بالحرفة فهو معذور حتى يجد آلات الحِرفة، ومن كان زارعًا حتى يجد آلات الزرع ومن كان تاجرًا حتى يجد البضاعة، ومن كان على الجهاد مسترزقًا بما يروح ويغدو من الغنائم -كما كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فالضابط فيه أوقية أو خمسون درهمًا.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٨٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٨٣١