وعن ثوبان مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (من يتكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا وأتكفل له بالجنة؟) فقال ثوبان: أنا يا رسول الله، فقال: (لا تسأل الناس شيئًا)، فكان لا يسأل أحدًا شيئًا (رواه أبو داود - المصدر السابق -، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 4/197).
ولقد صور لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- اليد الآخذة بـ "اليد السفلى" واليد المتعففة أو المعطية بـ "اليد العليا"، وعلمهم أن يروضوا أنفسهم على الاستعفاف فيعفهم الله، وعلى الاستغناء عن الغير فيغنيهم الله، فعن أبي سعيد الخدري: أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نفد ما عنده قال: (ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد من عطاء أوسع من الصبر) (رواه الستة إلا ابن ماجة - المرجع نفسه، وانظر السنن الكبرى: 4/195 وما بعدها).
العمل هو الأساس
لقد علم الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه مبدأين جليلين من مبادئ الإسلام:
المبدأ الأول: أن العمل هو أساس الكسب، وأن على المسلم أن يمشي في مناكب الأرض ويبتغي من فضل الله، وأن العمل -وإن نظر إليه بعض الناس نظرة استهانة- أفضل من تكفف الناس، وإراقة ماء الوجه بالسؤال: (لأن يأخذ أحدكم حبله على ظهره فيأتي بحزمة من الحطب فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) (رواه البخاري في أول كتاب "البيع" عن الزبير).
حُرمة سؤال الناس
والمبدأ الثاني: أن الأصل في سؤال الناس وتكففهم هو الحُرمةُ، لما في ذلك من تعريض النفس للهوان والمذلة، فلا يحل للمسلم أن يلجأ للسؤال إلا لحاجة تقهره على السؤال، فإن سأل وعنده ما يغنيه كانت مسألته خموشًا في وجهه يوم القيامة.