وبرعاية هذه الأصول الثلاثة تكون الزكاة قد قامت بدورها في تثبيت القيم العليا، والمقومات المعنوية الأصيلة، التي يحرص عليها المجتمع المسلم، بل يقوم عليها كيانه، كما قلنا.
وبهذا يتحقق التكامل والتساند في الحياة الإسلامية، وفي كافة النظم الإسلامية، فالزكاة -وإن كانت نظامًا ماليًا في الظاهر- لا تنفصل عن العقيدة ولا عن العبادة، ولا عن القيم والأخلاق، ولا عن السياسة والجهاد، ولا عن مشكلات الفرد والمجتمع، والحياة والحياء.
وفي المباحث التالية، نعرض لبعض المشكلات الاجتماعية المهمة، التي تعانى منها مجتمعاتنا، ويتطلب المصلحون لها العلاج، وعلاقة الزكاة بعلاج هذه المشكلات أو تخفيف آثارها وويلاتها.
وقد فصلنا القول في "مشكلة الفقر" خاصة، وكيف عالجها الإسلام، وموضع الزكاة من هذا العلاج، في كتاب مستقل (بعنوان "مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام" نشر دار العربية. بيروت). نشرناه فليرجع إليه من شاء.
مشكلة الفوارق
ليس هدف الزكاة مقصورًا على محاربة الفقر بمعونة مؤقتة أو دورية، ولكن من أهدافها توسيع قاعدة التملك، وتكثير عدد الملاك، وتحويل أكبر عدد مستطاع من الفقراء المعوزين إلى أغنياء مالكين لما يكفيهم طوال العمر.
ذلك أن هدف الزكاة إغناء الفقير بقدر ما تسمح به حصيلتها، وخراجه من دائرة الحاجة إلى دائرة الكفاية الدائمة، وذلك بتمليك كل محتاج ما يناسبه ويغنيه، كأن تملك التاجر متجرًا وما يلزمه ويتبعه، وتملك الزارع ضيعة وما يلزمها ويتبعها، وتملك المحترف آلات حرفته، وما يلزمها ويتبعها - كما وضحنا ذلك في مصارف الزكاة (راجع مبحث "كم يعطى الفقير المسكين"؟ من الباب الرابع - الفصل الأول). - فهي بهذا تعمل على تحقيق هدف عظيم: هو التقليل من عدد الأجراء، والزيادة في عدد الملاك.