"فواجبُ الجماعة أن تتعهد تلك الطاقات في نفوس أفرادها بما ينبهها ويثيرها وينميها، لا أن تترك للإهمال والجمود، يوهن قواها، ويطمس ينابيعها، فقد يكون أحد هؤلاء بصدد مكرمة يبذل فيها ماله كله، حتى يصير إلى لا شيء، ليدفع عن أمته بابًا من الشر كان يوشك أن يهز أمنها، ويغزو قلوب فريق منها بالشحناء والبغض. فإذا تركنا ذلك الذي أدته مروءته إلى الفقر، يواجه ثمرة عمله، فلن يعود إلى مروءة أخرى، إذا أتيح له أن ينهض من عثرته، ولن يقتدي به -بعد- ذو مروءة في مكرمة، فالحق والعدل يقضى بأن يكون لمثل هذا الذي غرم ما غرم نصيب في مال الجماعة، أو أن يكون في هذا المال سهم لإطلاق همم ذوي المروءة، وتشجيع حوافز الخير فيهم، فلا يضام أحدهم بالفقر، على ما أسلف للأمة من خير، وهذا ما قدم الإسلام وقضى به الحق سبحانه في آية الصدقات: (والغارمين) (التوبة:60).
والأصل الثالث: رعاية العقائد والتعاليم التي نزلت لتزكية مبادئ الفطرة في الإنسان، وبخاصة إحكام الصلة بالله، وتبصير الفرد بغايته من الحياة، وبطوره الأخروي، الذي هو صائر إليه، ولا بد، بحكم تطوره في مراحل الأزل، وهو ما جاء في قوله تعالى في الآية نفسها: (وفي سبيل الله) (التوبة: 60).
"ومما أدخلوه في مفهوم قوله: (وفي سبيل الله) نفقات الغزو والدفاع، أي إعداد الجيوش، والدفاع والجهاد في الإسلام إنما هو -أصلاً- دفاع عن العقيدة، وجهاد في سبيلها وليس أمرًا مدنيًا بحتًا، ولا جهادًا وطنيًا صرفًا، مقطوع الصلة بالله، بل هو -أولاً وقبل كل شيء- جهاد في سبيل الله، وأخص ما كان في سبيل الله هو ما كان في صيانة العقيدة والدفاع عنها والتمكين لها، وامتداد سلطانها... " (من كتاب "الاشتراكية في المجتمع الإسلامي " للأستاذ البهي الخولي ص141-144).