وهذا من أثر الجهل بتاريخ الإسلام وحقيقة فريضة الزكاة، الذي بينا -بما لا شك فيه- أنها نظام تقوم عليه الحكومة المسلمة جباية وصرفًا، وأنها ليست من باب الإحسان الفردي، أو الصدقات التطوعية، وإنما هي -بالنظر لذوي الحاجات- حق معلوم، وبالنظر لذوي الأموال ضريبة إلزامية مفروضة، وأنها ضريبة تقوم عليها الدولة المسلمة تحصيلاً وتوزيعًا. إلا أنها تتميز عن الضريبة الوضعية بخلودها وثباتها، فإذا أهملتها الحكومات ولم تطالب بها، فإن المسلم لا يصح إسلامه ولا يتم إيمانه إلا بإخراجها، إرضاء لربه، وتزكية لنفسه، وتطهيرًا لماله، وفرض عليه أن يخرجها طيبة بها نفسه، خالية من المن والأذى، والمحتاج الذي يأخذها في هذه الحال يأخذها وقد علمه الإسلام أنها حق له في مال الله استخلف فيه بعض عباده، وأن الجماعة مطالبة أن تقاتل من أجل هذا الحق المعلوم.
الزكاة والتوجيه الاقتصادي
وللزكاة أثرها في الجانب الاقتصادي، وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل السابق فإنها بما تستقطعه من أرباب المال تدفعهم إلى العمل على تعويض ما أخذ منهم.
وهذا أوضح ما يكون في زكاة النقود، فقد حرم الإسلام كنزها، وحبسها عن التداول والتثمير، وجاء في ذلك وعيد الله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليمٍ) (التوبة: 34).
ولم يكتف بهذا الوعيد الهادر الشديد، بل أعلن حربًا عملية على الكنز، ووضع الخطة الحكيمة لإخراج النقود من الشقوق والخزائن، وذلك حين فرض 2.5 % على الثروة النقدية، سواء استغلها صاحبها أم لم يستغلها. فالزكاة بذلك سوط يسوقه سوقًا إلى إخراج النقود لتعمل وتغل وتكسب وتنمى، حتى لا يأتي عليها مرور الأعوام، وفي هذا جاءت الأحاديث والآثار: (اتجروا بأموال اليتامى حتى لا تأكلها الزكاة).
وقد تحدثنا عن شيء من ذلك في زكاة النقود، وحكمة فرضيتها على رأس المال.
الزكاة والمقومات الروحية للأمة