هذا هو الضمان الاجتماعي الذي لم تفكر فيه الدول الغربية إلا منذ وقت قريب، ولم تفكر فيه إخلاصًا لله ولا رحمةً بالضعفاء، ولكن دفعتها إليه الثورات العارمة وموجات المذاهب الشيوعية والاشتراكية. كما دفعتها إليه الحرب العالمية الثانية، ورغبتها في استرضاء شعوبها، وحثهم على الاستمرار في بذل الدم والعرق، حتى تضع الحرب أوزارها.
وكان أول مظهر رسمي لهذا الضمان في سنة 1941 حين اجتمعت كلمة إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية في ميثاق الأطلنطي على وجوب تحقيق الضمان الاجتماعي للأفراد (الضمان الاجتماعي، للدكتور صادق مهدى ص 126).
ومع هذا لم يبلغ شأن الضمان الإسلامي في شموله لكل مواطن، وتحقيقه الكفاية التامة لكل حاجاته الأساسية هو وأسرته، فضلاً عما ذهب إليه الإمام الشافعي ومن وافقه في تحقيق كفاية العمر للفقراء، وإغنائهم بالزكاة غنى دائمًا لا يحتاجون بعده إلى معونة أو مساعدة.
والعجب أن يسبق الإسلام هذه الدول بقرون عديدة في إقامة ضمان اجتماعي يفرضه الدين، وتنظمه الدولة، وتسل من أجله السيوف، استخلاصًا لحقوق الفقراء من براثن الأغنياء، ومع هذا نجد من الكاتبين من يرجع فضل الضمان الاجتماعي إلى أوروبا. أما تاريخنا وتراثنا فيهال عليه التراب!!
ومن ذلك أن جامعة الدول العربية عقدت حلقة للدراسات الاجتماعية سنة 1952 بدمشق، وخصصت هذه الحلقة لدراسة التكافل الاجتماعي، وقد ألقى مدير الحلقة المستر "دانيل س. جيرج" محاضرة عن "تطور التكافل الاجتماعي" ذكر فيها: أن المحتاجين في القرون الغابرة لم يكن أمامهم وسيلة إلا الاستجداء أو تلقى الصدقات للتخلص من الموت جوعًا، وأن تاريخ التدابير الحكومية لإعانة الفقراء يرجع إلى القرن السابع عشر، وقد اتخذت الخطوات الأولى شكل تنظيم المعونة إلى الفقراء من قبل الهيئات المحلية... إلخ. (حلقة الدراسات الاجتماعية - الدورة الثالثة - ص 217).