تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"ولقد كرمهم فعلاً بالعقل والعاطفة وبالأشواق الروحية إلى ما هو أعلى من ضرورات الجسد؛ فإذا لم يتوافر لهم من ضرورات الحياة ما يتيح لهم فسحة من الوقت والجهد لهذه الأشواق الروحية، ولهذه المجالات الفكرية، فقد سلبوا ذلك التكريم؛ وارتكسوا إلى مرتبة الحيوان. لا بل إن الحيوان ليجد طعامه وشرابه غالبًا، وإن بعض الحيوانات ليختال ويقفز ويمرح، وإن بعض الطير ليغرد ويسقسق فرحًا بالحياة بعد أن ينال كفايته من الطعام والشراب.

"فما هو بإنسان وما هو بكريم على الله، ذلك الذي تشغله ضرورات الطعام والشراب عن التطلع إلى مثل ما يناله الطير والحيوان، فضلاً على ما يجب للإنسان الذي كرمه الله. فإذا قضى وقته وجهده ثم لم ينل كفايته، فتلك هي الطامة التي تهبط به دركات عما أراد به الله، والتي تصم الجماعة التي يعيش فيها، بأنها جماعة هابطة لا تستحق تكريم الله؛ لأنها تخالف عن إرادة الله.

"إن الإنسان خليفة الله في أرضه، قد استخلفه عليها لينمى الحياة فيها، ويرقيها؛ ثم ليجعلها ناضرة بهيجة، ثم ليستمتع بجمالها ونضرتها، ثم ليشكر الله على أنعمه التي آتاه، والإنسان لن يبلغ من هذا كله شيئًا، إذا كانت حياته تنقضي في سبيل اللقمة ولو كانت كافية، فكيف إذا قضى الحياة فلم يجد الكفاية"؟.

الزكاة تطهير من الحسد والبغضاء

والزكاة -لآخذها أيضًا- تطهير من داء الحسد والكراهية، فالإنسان إذا عضته أنياب الفقر، ودهته داهية الحاجة، ورأى حوله من ينعمون بالخير، ويعيشون في الرغد، ولا يمدون له يدًا بالعون، بل يتركونه لمخالب الفقر وأنيابه، هذا الإنسان لا يسلم قلبه من البغضاء، والضغينة على مجتمع يهمله، ولا يعنى بأمره، وتربة الشح والأنانية لا تنبت إلا الحقد والحسد لكل ذي نعمة.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٨١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٨١٢