وبهذا يستطيع هذا الفقير أن يشارك في الحياة، ويقوم بواجبه في طاعة الله، وبهذا يشعر أنه عضو حي في جسم المجتمع، وأنه ليس شيئًا ضائعًا ولا كمًا مهملاً، وإنما هو في مجتمع إنساني كريم يعنى به ويرعاه يأخذ بيده، ويقدم له يد المساعدة، في صورة كريمة لاَ منَّ فيها ولا أذى، بل يتقبلها من يد الدولة، وهو عزيز النفس، رافع الرأس، موفور الكرامة؛ لأنه إنما يأخذ حقه المعلوم، ونصيبه المقسوم.
حتى لو اضطربت الأمور في المجتمع المسلم، وقدر للأفراد أن يكونوا هم الموزعين للزكاة بأنفسهم، فإن القرآن يحذرهم من إهانة الفقير، أو جرح إحساسه بما يفهم منه الاستعلاء عليه، أو الامتنان، أو أي معنى يؤذى كرامته كإنسان، وينال من عزته كمسلم. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا). (البقرة: 264).
إن شعور الفقير أنه ليس ضائعًا في المجتمع وأن مجتمعه يهتم به ويرعاه، كسب كبير لشخصيته، وزكاة لنفسيته، وهذا الشعور نفسه ثروة لا يستهان بها للأمة كلها.
إن رسالة الإنسان على الأرض، وكرامته على الله سبحانه، تقتضيان ألا يترك للفقر الذي ينسيه نفسه وربه، ويذهله عن دينه ودنياه، ويعزله عن أمته ورسالتها، ويشغل عن ذلك كله بالتفكير في سد الجوع وستر العورة، والحصول على المأوى. يوضح الشهيد "سيد قطب" هذا المعنى بقلمه البليغ فيقول (العدالة الاجتماعية في الإسلام ص 132- 133 طبعة خامسة):
"يكره الإسلام الفقر والحاجة للناس؛ لأنه يريد أن يعفيهم من ضرورات الحياة المادية، ليفرغوا لما هو أعظم؛ ولما هو أليق بالإنسانية وبالكرامة التي خص الله بها بني آدم: (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً). (الإسراء: 70).