وكان من دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- : (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) (رواه مسلم والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود)، ومن توجيهاته تفضيل الغنى الشاكر على الفقير الصابر (كما يظهر من حديث: "ذهب أهل الدثور بالأجور" وهو في الصحيحين).
وقد جعل القرآن الغنى والحياة الطيبة من مثوبة الله العاجلة للمؤمنين الصالحين، كما جعل الفقر وضنك المعيشة من عاجل عقوبته للكفرة والفاسقين. قال تعالى: (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة). (النحل: 97)، (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض). (الأعراف: 96)، (ومن يتق الله يجعل له مخرجًا يرزقه من حيث لا يحتسب). (الطلاق: 2-3)، (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون). (النحل: 112).
ومنذ أهبط آدم وزوجه إلى الأرض أنبأهما بسنته في خلقه: (قال اهبطا منها جميعًا، بعضكم لبعض عدو، فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى). (طه: 123-124).
ومن هذا يتبين لنا أن الأفكار التي نشأت في رحاب التصوف من تمجيد الفقر والترحيب به وإطلاق ذم الغنى والتخويف منه، إنما هي أفكار قذفت بها المانوية الفارسية، والصوفية الهندية، والرهبانية المسيحية فهي على كل حال أفكار دخيلة على الإسلام (انظر: كتابنا "مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام"، فصل: نظرة الإسلام إلى الفقر).
ومن هنا فرض الله الزكاة وجعلها من دعائم دين الإسلام، تؤخذ من الأغنياء لترد على الفقراء، فيقضى بها الفقير حاجاته المادية، كالمأكل والمشرب والملبس والمسكن، وحاجاته النفسية الحيوية، كالزواج الذي قرر العلماء أنه من تمام كفايته، وحاجاته المعنوية الفكرية، ككتب العلم لمن كان من أهله.