ويوضح الرازي (المرجع السابق). السر في استيلاء حب المال على القلب الإنساني فيقول: "إن كثرة المال توجب شدة القوة وكمال القدرة؛ وتزايد المال يوجب تزايد القدرة، وتزايد القدرة يوجب تزايد الالتذاذ بتلك القدرة، وتزايد اللذات يدعو الإنسان إلى أن يسعى في تحصيل المال الذي صار سببًا لحصول هذه اللذات المتزايدة؛ وبهذا الطريق تسير المسألة مسألة الدور؛ لأنه إذا بالغ في السعي ازداد المال -وذلك يوجب ازدياد القدرة، وهو يوجب ازدياد اللذة وهو يحمل الإنسان على أن يزيد في طلب المال- ولما صارت المسألة مسألة الدور لم يظهر لها مقطع ولا آخر، فأثبت الشرع لها مقطعًا وآخرًا، وهو أنه أوجب على صاحبه صرف طائفة من تلك الأموال إلى الإنفاق في طلب مرضاة الله تعالى؛ ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له، ويتوجه إلى عالم عبودية الله وطلب رضوانه". ا هـ.
ومعنى هذا: أن الله لا يحب لعبده المؤمن أن يسير في حلقة مفرغة لا يعرف لها طرفًا تنتهي عنده: حلقة قوامها جمع المال، والحرص عليه، والانهماك في طلبه، وإنما يحب أن يذكره بأن المال وسيلة لا غاية، وأن يقول له: عند هذا المكان من الحلقة قف، لتنفق وتتصدق وتخرج حق الله، وحق الفقير، وحق الجماعة.
إن الله أباح للمسلم جمع المال، وأباح له طيبات الدنيا، ولكنه لم يرض ذلك له مهمة وغاية في الحياة، إنه خلق لغاية أسمى، ولدار أبقى. إن الدنيا خلقت له، وأما هو فخلق للآخرة ولعبادة الله، وما الدنيا إلا طريق للآخرة، ولا بأس أن يجمل الإنسان الطريق ويمهده، ولكن لا ينسى أنه فيه سائر إلى هدف، وساع إلى غاية.
إن الله يعطى المال من يحب ومن لا يحب، يعطيه المؤمن والكافر، والبر والفاجر: (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورًا). (الإسراء: 20).