تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن المعلوم الذي تنادى به العقول، وتقره الفطر، وتدعو إليه الأخلاق وتحث عليه الأديان والشرائع: أن الاعتراف بالجميل، وشكر النعمة، أمر لازم.

والزكاة توقظ في نفس معطيها معنى الشكر لله تعالى، والاعتراف بفضله عليه وإحسانه إليه، فإن لله عز وجل -كما قال الإمام الغزالي- على عبده نعمة في نفسه وفى ماله. فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن، والمالية شكر لنعمة المال، وما أخس من ينظر إلى الفقير، وقد ضيق عليه الرزق وأحرج إليه، ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدى شكر الله تعالى على إعفائه عن السؤال وإحواج غيره إليه بربع العشر أو العشر من ماله " (الإحياء: 1/193 - طبع الحلبي).

ومن الإيحاءات العميقة لهذا المعنى في أفكار المسلمين ومشاعرهم -معنى أن الزكاة مقابل النعمة - أن كل نعمة يجب أن تقابل بزكاة من الإنسان، سواء أكانت النعمة مادية أم معنوية، ولهذا شرع بين المسلمين أن يقولوا: زك عن عافيتك. زك عن بصرك، ونور عينيك. زك عن علمك. زك عن نجابة أولادك... وهكذا، وهو إيحاء نبيل جميل وقد روى في الحديث: (لكل شيء زكاة) (رواه ابن ماجة عن أبى هريرة، والطبراني عن سهل بن سعد، ورمز له السيوطي بعلامة الضعف، وأشار إلى ضعفه المنذري في الترغيب).

علاج للقلب من حب الدنيا

والزكاة من وجه آخر - تنبيه للقلب على واجبه نحو ربه ونحو الآخرة، وعلاج له من الاستغراق في حب الدنيا، وحب المال؛ فإن الاستغراق في حبه -كما قال الرازي- يذهل النفس عن حب الله، وعن التأهب للآخرة، فاقتضت حكمة الشرع تكليف مالك المال بإخراج طائفة منه من يده، ليصير ذلك الإخراج كسرًا من شدة الميل إلى المال، ومنعًا من انصراف النفس بالكلية إليه، وتنبيهًا له على أن سعادة الإنسان لا تحصل عند الاشتغال بطلب المال، وإنما تحصل بإنفاق المال في طلب مرضاة الله تعالى. فإيجاب الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب (في التفسير نفسه ص 101).

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٨٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٨٠١