قال الإمام الرازي (التفسير الكبير: 16/101): "إن النفس الناطقة -يعنى تلك التي صار بها الإنسان إنسانًا- لها قوتان: نظرية وعملية؛ فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله، فأوجب الله الزكاة، ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال، وهو اتصافه بكونه محسنًا إلى الخلق، ساعيًا في إيصال الخيرات إليهم، رافعًا للآفات عنهم- ولهذا السر قال -عليه السلام- (بحثت عنه في مظانه فلم أجد له أصلاً، ولا من تكلم عليه: (تخلقوا بأخلاق الله) ا هـ (ومما يقرب من هذا المعنى ما قاله أيضًا من أن الاستغناء عن الشيء أعظم من الاستغناء بالشيء؛ فإن الاستغناء بالشيء يوجب الاحتياج إليه، إلا أنه يتوسل به إلى الاستغناء عن غيره، فأما الاستغناء عن الشيء فهو الغنى التام، ولذلك فإن الاستغناء عن الشيء صفه الحق، والاستغناء بالشيء صفة الخلق، فالله سبحانه لما أعطى بعض عبيده أموالاً كثيرة فقد رزقه نصيبًا وافرًا من باب الاستغناء بالشيء. فإذا أمره بالزكاة كان المقصود أن ينقله من درجة الاستغناء بالشيء إلى المقام الذي هو أعلى منه وأشرف منه وهو الاستغناء عن الشيء).
ومن آثار هذا الخلق وذلك الروح الذي نماه الإسلام في نفوس المسلمين عن طريق الزكاة، أعنى خلق البذل وروح البر: تلك الصدقات الجارية التي خلفها المسلمون الخيرون لمن بعدهم ينتفعون بها، والتي تتمثل واضحة في نظام "الوقف الخيري" وما ضرب فيه الواقفون المسلمون من أمثلة فريدة في صدق عاطفة الخير، وأصالة روح البر في حناياهم، واتساع هذه الروح لمختلف الحاجات، وشتى المحتاجين إلى المعونة المادية أو المعنوية، من كل الأجناس والطبقات، بل من غير الإنسان في بعض الأحيان (انظر نماذج من هذا الوقف في كتابنا "الإيمان والحياة" فصل: "الرحمة" ص291 - ص293).
الزكاة شكر لنعمة الله