ومن ثم كان هذا الخلق من أوصاف المؤمنين المتقين في نظر القرآن. فإذا فتح الإنسان المصحف الشريف وتلا فاتحة الكتاب، ثم اتجه إلى الصفحة التالية، ليقرأ طليعة سورة البقرة، وجد فيها بيانًا لصفات المتقين، الذين ينتفعون بهدى الكتاب العزيز: (آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه، هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون). (البقرة: 1 - 3).
وقبل ذلك لم يغفل القرآن المكي هذا الخلق من أخلاق المؤمنين: ففي سورة الشورى المكية: (فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون). (الشورى: 36 - 38).
وقد اختلف المفسرون في تحديد المراد من ذلك. فقيل: الزكاة المفروضة -ويروى هذا عن ابن عباس- لقرن الإنفاق بإقامة الصلاة، وقيل: صدقة التطوع -وروى عن الضحاك- نظرًا إلى أن الزكاة لا تأتى إلا بلفظها المختص بها، وقيل: هو النفقة على الأهل والعيال.
وقيل: هو عام يشمل ذلك كله (انظر القرطبي: 1/179)، وهذا هو الصحيح الذي ينبغي أن تفهم الآيات في ضوئه، فالأمر أوسع وأعم من الزكاة الفريضة، أو صدقة التطوع، أو النفقة على الأهل. إنه خلق من أخلاق المؤمنين (الذين ينقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية). (البقرة: 274)، و(الذين ينفقون في السراء والضراء). (آل عمران: 134).
(الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار). (آل عمران: 17).
ومما يدل على ذلك ما جاء في القرآن المكي من أوصاف المتقين: (إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم، إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفى أموالهم حق للسائل والمحروم). (الذاريات: 15 - 19).