والزكاة كما تحقق معنى التطهير للنفس، تحقق معنى التحرير لها، تحررها من ذل التعلق بالمال والخضوع له، ومن تعاسة العبودية للدينار والدرهم، فإن الإسلام يحرص على أن يكون المسلم عبدًا لله وحده، متحررًا من الخضوع لأي شئ سواه، سيدًا لكل ما في هذا الكون من عناصر وأشياء.
وأي تعاسة أعظم من أن يجعل الله الإنسان في الأرض خليفة وسيدًا، فإذا هو يعبد نفسه لما عليها من مادة ومال؟!
أي تعاسة أعظم من أن يصبح جمع المال هدف الإنسان، وأكبر همه، ومبلغ علمه، ومحور حياته، وقد خلق لرسالة أكبر، وهدف أسمى؟!
ولا غرو أن جاء النور من مشكاة النبوة يحذر من هذه التعاسة، التي هي من لوازم العبودية لغير الله تعالى: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) (رواه البخاري في كتاب الجهاد، وكتاب الرقاق، وابن ماجة في الزهد)..
الزكاة تدريب على الإنفاق والبذل
وكما أن الزكاة تطهير لنفس المسلم من الشح، هي أيضًا تدريب له على خلق البذل والإعطاء والإنفاق.
فمما لا خلاف فيه بين علماء التربية والأخلاق أن للعادة أثرها العميق في خلق الإنسان وسلوكه وتوجيهه ولهذا قيل: "العادة طبيعة ثانية"، ومعنى ذلك أن للعادة من القوة والسلطان ما يقرب من "الطبيعة الأولى" التي ولد عليها الإنسان.
والمسلم الذي يتعود الإنفاق، وإخراج زكاة زرعه كلما حصد، وزكاة دخله كلما ورد، وزكاة ماشيته ونقوده وقيم أعيانه التجارية كلما حال عليها الحول، ويخرج زكاة فطره كل عيد من أعياد الفطر، هذا المسلم يصبح الإعطاء والإنفاق صفة أصيلة من صفاته، وخلقًا عريقًا من أخلاقه.