تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك الشح الذميم الذي أحضرته الأنفس وابتلى به الإنسان؛ فقد شاء الله أن يغرس في حنايا الإنسان مجموعة من الدوافع النفسية أو الغرائز، تسوقه سوقًا إلى السعي في الأرض وعمارتها، فكان منها حب التملك، وحب الذات، وحب البقاء، وكان من آثارها هذه الغرائز أو النوازع شح الإنسان بما في يده، وحبه الاستئثار بالخيرات والمنافع دون الناس: (وكان الإنسان قتورًا). (الإسراء: 100). (وأحضرت الأنفس الشح). (النساء: 128). فكان لا بد للإنسان الراقي أو الإنسان المؤمن أن يستعلي على نوازع الأثرة والأنانية في نفسه، وأن ينتصر على نزعة الشح ببواعث الإيمان، ولا فلاح له في دنياه أو آخرته إلا بالانتصار على هذا الشح المقيت.

الشح آفة خطرة على الفرد والمجتمع؛ إنها قد تدفع من اتصف بها إلى الدم فيسفكه، وإلى الشرف فيدوسه، وإلى الدين فيبيعه، وإلى الوطن فيخونه، ولذا روى عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه جعله أحد المهلكات فقال: (ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه) (رواه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر بإسناد ضعيف، كما في التيسير: 1/570، (ورواه أيضًا أبو الشيخ في التوبيخ، والبزار وأبو نعيم والطبراني في الأوسط والبيهقي عن أنس، وضعفه العراقي، كما في "الفيض": 3/306، ولكن حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير)، وقال تعالى: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). (الحشر: 9، والتغابن: 16). كررها في القرآن مرتين، قصر فيها الفلاح على من وقى هذا الداء الفتاك، وخطب الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: (إياكم والشح؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالشح. أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا) (أخرجه أبو داود والنسائي. انظر: مختصر المنذري: 2/ 263).

فالزكاة بهذا المعنى طهرة: أي تطهر صاحبها من خبث البخل المهلك، وإنما طهارته بقدر بذله، وفرحه بإخراجه، واستبشاره بمصرفه إلى الله تعالى.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٧٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٧٩٥