وأخيرًا بعد تطور الأفكار، وتقلب الأحوال، واشتعال الثورات، اضطروا أن يرفضوا تلك الفكرة التقليدية، وأن ينادوا باستخدام الضريبة، لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية معينة، كتقليل الفوارق بين الطبقات، وإعادة التوازن الاقتصادي في المجتمع، إلى غير ذلك من الأهداف.
أما الزكاة في الإسلام فكان لها شأن آخر.
إن الإسلام جعلها ركنًا من أركانه، وشعيرة من شعائره، وعبادة من عباداته، يؤديها المسلم بوصفها فريضة دينية مقدسة امتثالاً لأمر الله وابتغاء مرضاته، طيبة بها نفسه، خالصة بها نيته، حتى تحوز القبول عند الله تعالى: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (مر تخريجه).
(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة). (البينة: 5).
فالزكاة -في المقام الأول- يقوم بها المسلم بوصفها جزءًا من التكليف الإلهي للإنسان الذي استخلفه الله في هذه الأرض، ليعبده تعالى، ويعمرها بالحق والعدل، ليجنى ثمرته في دار أخرى، فهو يعد ويصقل ويصهر في بوتقة التكاليف والابتلاء في هذه ليصلح للخلود والنعيم في الدار الباقية الأخرى، فإذا طهرت نفسه وزكا قلبه بالتزام حدود الله وإقامة واجباته، كان أهلاً لنعيم الحياة الآخرة وجوار الله في جنته، وكان من (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون). (النحل: 32).
ولهذا المعنى قرن القرآن بين الصلاة والزكاة في ثمانية وعشرين موضعًا منه، وقرنت بينهما السنة في عشرات المواضع، وعرف في الإسلام أن الزكاة أخت الصلاة، لا تجوز التفرقة بينهما وقد جمعهما الله، ولهذا قال أبو بكر لمن تردد من الصحابة في قتال من أقاموا الصلاة، وامتنعوا من أداء الزكاة: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة).