منها: أن جابي الزكاة مأمور أن يدعو لأهلها عند دفعها له، ترغيبًا لهم في المسارعة وإشعارًا برابطة الأخوة بين الآخذ والمعطى، وتمييزًا للمسلمين عن غيرهم من أهل الملل والديانات ودافعي المكوس الجائرة، وهذا امتثال لقوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم، إن صلاتك سكن لهم). (التوبة: 103).
ومعنى "صل عليهم" ادع لهم، وقد بين الله تعالى أثر هذا الدعاء في أنفس دافعي الصدقات، وهو السكينة والطمأنينة والأمن والتثبت، وقد روى عبد الله بن أبى أوفى: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم، فأتاه أبى أبو أوفى بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبى أوفى ) (قال في المنتقى: متفق عليه. نيل الأوطار: 4/153).
وهذا الدعاء غير مقيد بصيغة معينة، وقال الإمام الشافعي: أحب أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورًا، وبارك فيما أبقيت (الروضة للنووي: 2/211).
وقد روى النَّسائي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا لرجل بعث بناقة حسناء فقال: (اللهم بارك فيه وفى إبله) (سنن النسائي: كتاب الزكاة: 5/30).
وهل هذا الدعاء واجب أو مستحب؟ ظاهر الأمر في الآية يفيد الوجوب، وهو قول الظاهرية وبعض الشافعية، وقال الجمهور: لو كان واجبًا لعلمه النبي -صلى الله عليه وسلم- لسعاته وولاته كمعاذ وغيره، غير أن ذلك لم ينقل (انظر: نيل الأوطار: 4/153).
وهذا الاعتراض مردود: لجواز اكتفائه -صلى الله عليه وسلم- بالآية، التي لا تخفى على مثل معاذ رضى الله عنه.
وقالوا أيضًا: إن سائر ما يأخذه الإمام من الديون والكفارات وغيرها لا يجب عليه فيها الدعاء، وكذلك الزكاة (المرجع السابق)، وهذا أيضًا لا حجة فيه! لثبوت الأمر في الزكاة بصريح الآية دون غيرها، وهذا لما لها من عظيم المنزلة في الدين، ولأنها حق لازم دوري، فحسن الترغيب فيه، والتثبيت عليه.