تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وناقش ابن حزم الحنفية وغيرهم ممن أسقطوا الزكاة بموت رب المال، ونسب إليهم غاية الخطأ؛ لأنهم أسقطوا - بموت المرء - دينًا لله تعالى وجب عليه في حياته، بلا برهان أكثر من أن قالوا: لو كان ذلك لما شاء إنسان أن لا يورث ورثته شيئًا إلا أمكنه.

قال: فما تقولون في إنسان أكثر من إتلاف أموال الناس ليكون ذلك دينًا عليه ولا يرث ورثته شيئًا، ولو أنها ديون يهودي أو نصراني في خمور أهرقها لهم؟ فمن قولهم: أنها كلها من رأس ماله سواء ورث ورثته أم لم يرثوا، فنقضوا علتهم بأوحش نقض، وأسقطوا حق الله -تعالى- الذي جعله للفقراء والمساكين من المسلمين والغارمين منهم، وفي الرقاب منهم، وفي سبيله تعالى، وابن السبيل فريضة من الله تعالى - وأوجبوا ديون الآدميين، وأطعموا الورثة الحرام.

والعجب كله من إيجابهم الصلاة بعد خروج وقتها على العامد لتركها، وإسقاطهم الزكاة -ووقتها قائم- عن المتعمد لتركها !!

قال أبو محمد: ويبين صحة قولنا وبطلان قول المخالفين قول الله -عزَّ وجلَّ- في المواريث: (من بعدِ وصيَّةٍ يُوصى بها أو دين) (النساء: 11)، فعم -عز وجل- الديون كلها، والزكاة دين قائم لله -تعالى-، وللمساكين والفقراء والغارمين، وسائر من فرضها تعالى لهم في نص القرآن.

ثم روى ابن حزم بإسناده الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه ورواه سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: (لو كان على أمك دين، أكنت قاضيه عنها)؟ قال: نعم. قال: (فدين الله أحق أن يُقضى).

وفي رواية عن ابن عباس - من طريق ابن جبير - أنه -عليه السلام- قال: (فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء).

قال: فهؤلاء عطاء وسعيد بن جبير ومجاهد يروونه عن ابن عباس، فقال هؤلاء بآرائهم: بل دين الله -تعالى- ساقط، ودين الناس أحق أن يُقضى! والناس أحق بالوفاء"!! اهـ (المحلي: 6/89-91).

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٧٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٧٧٩