وأما قولهم: إن للزكاة وقتًا، فنقول ما قاله الإمام الخطابي: إن الوقت إذا دخل في الشيء رفقًا بالإنسان، فإن له أن يسوغ من حقه ويترك الارتفاق به، كمن عجل حقًا مؤجلاً لآدمي وكمن أدى زكاة غائب عنه، وإن كان على غير يقين من وجوبها عليه؛ لأن من الجائز أن يكون ذلك المال تالفًا في ذلك الوقت (معالم السنن: 2/224).
وأما الصلاة والصيام فتعبد محض، والتوقيت فيهما غير معقول المعنى، وإنما هو التكليف والابتلاء، فيجب أن يقتصر عليه.
وإن عجل زكاة نصاب في ملكه وما ينتج عنه أو يربحه فيه، أجزأه عن النصاب دون الزيادة عند الشافعي وأحمد؛ لأنه عجل زكاة مال ليس في ملكه فلا يجوز.
وعند أبي حنيفة: يجزئه؛ لأنه تابع لما هو مالكه، فيأخذ حكمه (المغني: 2/631).
والقسم الثاني من الأموال التي تجب فيها الزكاة ما لا يُشترط له الحول كالزروع والثمر والمعدن والركاز، وهذا لا يجوز فيه تعجيل الزكاة، وأجاز بعض الشافعية تعجيل العُشر، والأرجح أنه لا يجوز، لأن العٌشر يجب بسبب واحد وهو إدراك الثمرة وانعقاد الحب، فإذا عجله قدمه على سببه، فلم يجز كما لو قدم زكاة المال على النصاب (انظر المجموع: 6/160).
واشترط بعض الحنابلة في تعجيل العُشر أن يكون ذلك بعد نبات الزرع وطلوع الطلع في النخل ونحو ذلك.
هل للتعجيل حد ؟
وإذا كان التعجيل جائزًا فهل له حد من السنين؟ أم هو جائز إلى غير حد؟
أجاز الحنفية وغيرهم للمالك أن يعجل زكاته لما أراد من السنين بدون قيد. حتى قالوا: لو كان له ثلاثمائة درهم، فدفع منها مائة درهم عن المائتين زكاة لعشرين سنة مستقبلة جاز؛ لوجود السبب وهو ملك النصاب النامي. بخلاف العُشر فلا يجوز تعجيله قبل نبات الزرع وخروج الثمرة، وبالأولى قبل الزراعة أو الغرس، لعدم وجود سبب الوجوب، كما لو عجل زكاة المال قبل مِلك النصاب (حاشية ابن عابدين: 2/29-30، وانظر البحر الزخار: 2/188).