وهذا كله ما لم يخش ضررًا، فإن خشي في إخراجها ضررًا في نفسه أو مال له سواها فله تأخيرها. لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : (لا ضرر ولا ضرار) (رواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس، وابن ماجه أيضًا عن عبادة بن الصامت، ورواه الحاكم والدارقطني عن أبي سعيد وحسنه النووي في الأربعين والأذكار، قال: ورواه مالك مرسلاً من طرق يقوي بعضها بعضًا، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وقال العلائي: له شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به، وقال الشيخ أحمد شاكر في تخريج الحديث (2897) من المسند: إسناده ضعيف، ومعناه صحيح ثابت بإسناد صحيح عند ابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت.
والفرق بين الضرر والضرار: أن الضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه، والأول إلحاق مفسدة بالغير مطلقًا، والثاني إلحاقها به على وجه المقابلة، انظر الكلام على هذا الحديث في جامع العلوم والحكم لابن رجب، والمبين المعين لفهم الأربعين للقاري ص180-185، وفيض القدير للمناوي: 6/431-432)، ولأنه إذا جاز تأخير قضاء دين الآدمي لذلك، فتأخير الزكاة أولى" أهـ (المغني لابن قدامة: 2/864-865).
المبادرة إلى إخراجها
والمبادرة إلى الطاعات، والمسارعة إلى أدائها -بصفة عامة- مما دعا إليه الإسلام ورغب فيه. قال تعالى: (فاستبقوا الخيرات) (البقرة: 148، والمائدة: 48)، وقال سبحانه: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة) (آل عمران: 133).
وإذا كان هذا محمودًا في كل الصالحات، ففي الزكاة ونحوها من الحقوق المالية أكثر حمدًا؛ خشية أن يغلب الشح، أو يمنع الهوى، أو تعرض العوارض المختلفة، فتضيع حقوق الفقراء، ولهذا قال العلماء: إن الخير ينبغي أن يُبادر به؛ فإن الآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت لا يؤمن، والتسويف غير محمود، والمبادرة أخلص للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعد عن المطل المذموم، وأرضى للرب تعالى، وأمحى للذنب (نيل الأوطار: 4/148- طبع العثمانية).