المشهور عند الحنفية أنها تجب وجوبًا موسعًا، ولصاحب المال تأخيرها ما لم يُطالب؛ لأن الأمر بأدائها مطلق، فلا يتعين الزمن الأول لأدائها دون غيره، كما لا يتعين مكان دون مكان. هذا ما ذهب إليه أبو بكر الرازي الجصاص.
أما الكرخي من أئمة الحنفية، فقال: هي واجبة على الفور؛ لأن الأمر يقتضي الفورية، وحتى إن كان لا يقتضي الفورية ولا التراخي، فالوجه المختار -كما قال المحقق ابن الهمام- أن الأمر بالصرف إلى الفقير معه قرينة الفور، وهي أنه لدفع حاجته، وهي معجلة، فمتى لم تجب على الفور لم يحصل المقصود من الإيجاب على وجه التمام (فتح القدير: 1/482-483، ورد المحتار: 2/13-14).
وهذا القول هو الصواب، وهو الذي عليه مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء.
وذلك كما قال ابن قدامة: أن الأمر يقتضي الفورية على الصحيح - كما في الأصول - ولذلك يستحق المؤخر للامتثال العقاب، ومن ثمَّ أخرج الله تعالى إبليس، وسخط عليه، ووبخه بامتناعه عن السجود، ولو أن رجلاً أمر عبده أن يسقيه فأخر ذلك لاستحق العقوبة، ولأن جواز التأخير ينافي الوجوب، لكون الواجب ما يُعاقب على تركه، ولو جاز التأخير لجاز إلى غير غاية فتنتفي العقوبة بالترك.
ولو سلَّمنا أن مطلق الأمر لا يقتضي الفور لاقتضاه في مسألتنا؛ إذ لو جاز التأخير ههنا لأخَّره بمقتضى طبعه، ثقة منه بأنه لا يأثم بالتأخير، فيسقط عنه بالموت، أو بتلف ماله، أو بعجزه عن الأداء، فيتضرر الفقراء والمستحقون للزكاة.
ولأن ههنا قرينة تقتضي الفور، وهي أن الزكاة وجبت لحاجة الفقراء، وهي ناجزة، فيجب أن يكون الوجوب ناجزًا، ولأنها عبادة تتكرر، فلم يجز تأخيرها إلى وقت وجوب مثلها كالصلاة والصوم.