ثانيًا: أن هناك مصارف مثل تأليف القلوب على الإسلام والولاء لدولته، ومثل "سبيل الله" فقد اخترنا أنه يشمل الجهاد وما في حكمه من كل عمل يعود على الإسلام بالنصر وعلو الكلمة، ومثل ذلك إنما يكون غالبًا من شأن الإمام، وبتعبير عصرنا من شأن الحكومة المركزية، حتى لو قصرنا مدلول "سبيل الله" على "الجهاد" فإنه في عصرنا ليس من شأن الأفراد ولا الإدارات المحلية، بل هو من "شئون الدولة العليا".
ومن هنا يتحتم أن يكون للحكومة المركزية مورد تنفق منه على هذه الأمور التي تفرضها مصلحة الإسلام ومنفعة المسلمين، فإن كان لديها من الموارد ما يغنيها عن الزكاة، فبها ونعمت، وإلا، فللإمام أن يطلب من زكوات الأقاليم ما يسد تلك الثغرات، ومن هنا ذكر القرطبي قولاً لبعض العلماء في هذه المسألة، وهو: أن سهم الفقراء والمساكين، يقسم في موضع المال، أما سائر السهام فتنقل باجتهاد الإمام (تفسير القرطبي: 8/176).
وهذا من الأمور الاجتهادية التي يجب أن يؤخذ فيها برأي أهل الشورى، كما كان يفعل الخلفاء الراشدون، ولذا لا تخضع لتحديد ثابت، ولا يعتبر أخذها أمرًا لازمًا مطردًا في كل عام.
وهذا يفسر لنا ما جاء عن عمر بن عبد العزيز: أنه كتب إلى عماله: (أن ضعوا شطر الصدقة - قال أبو عبيد: أي في مواضعها - وابعثوا إليَّ بشطرها) ثم كتب في العام المقبل: (أن ضعوها كلها) (الأموال ص594) . يعني في مواضعها.
وقد ذكرنا أنه رد زكاة حملت من الري إلى الكوفة.
وليس في هذا -فيما أرى- اختلاف ولا تناقض، وإنما فعل ذلك حسب المصلحة والحاجة.
ولهذا قال ابن تيمية: وتحديد المنع من نقل الزكاة بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي، ويجوز نقل الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية (الاختيارات ص59).
ثالثًا: أن مما اشتُهر حتى صار يقينًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستدعى الصدقات من الأعراب إلى المدينة ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار: