وروى عن سحنون أنه قال: ولو بلغ الإمام أن في بعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة لغيره إليه، فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج، (والمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه) (نفس المرجع).
وذكر في المدونة عن مالك: أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر، عام الرمادة (وهو عام المجاعة): يا غوثاه يا غوثاه للعرب!! جهِّز إلى عيرًا يكون أولهما عندي وآخرها عندك، تحمل الدقيق في العباء (الثياب) فكان عمر يقسم ذلك بينهم على ما يرى، ويوكل على ذلك رجالاً، ويأمرهم بحضور نحر الإبل، ويقول: إن العرب تحب الإبل، فأخاف أن يستحيوها، فلينحروها، وليأتدموا بلحومها وشحومها وليلبسوا العباء الذي أتى فيها الدقيق (المدونة الكبرى: 1/246، وهذا الأثر رواه الحاكم في المستدرك بأطول مما في المدونة وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي: 1/405-406).
وهكذا تتكافل الأقاليم والأقطار الإسلامية في ساعة العسرة، ويكمل بعضها بعضًا.
ومما يؤيد ذلك ما يأتي:
أولاً: أن أي بلد أو إقليم في الدولة الإسلامية الواسعة ليس جزءًا مستقلاً كل الاستقلال، ولا ولاية منفصلة عن سائر الولايات، ولكنها ترتبط بالحكومة المركزية، وبسائر المسلمين - ارتباط الجزء بالكل، والفرد بالأسرة، والعضو بسائر الجسد، وهذه الوحدة والترابط والتكافل الذي يفرضه الإسلام، لا يستقيم معه أن يُترك كل بلد وشأنه في عزلة عن البلاد الأخرى، وعن عاصمة الإسلام، فإذا نزلت نازلة كمجاعة أو حريق أو وباء ببلد، كان أهله أحوج إلى العون، وإسعافهم ألزم من ذوي الحاجة في بلد الزكاة.