الأولى: أن ينقلها إلى مساوٍ في الحاجة لمن هو في موضع الوجوب، فهذا لا يجوز، وتجزيء الزكاة، أي ليس عليه إعادتها.
والثانية: أن ينقلها إلى من هو أقل حاجة، ففيها قولان: ما نص عليه "خليل" في مختصره أنها لا تجزيء، والثاني ما نقله ابن رشد والكافي وهو الإجزاء؛ لأنها لم تخرج عن مصارفها (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 1/501).
وعند الزيدية: يكره صرف زكاة بلد في غير فقرائه، مع وجود الفقراء فيه، بل الأولى فقراء البلد إذا وجدوا، وسواء في ذلك رب المال والإمام. قالوا: والكراهة عندنا ضد الاستحباب، فلو صرف في غير فقراء البلد أجزأه وكره. ما لم ينقلها لتحقيق غرض أفضل - كقريب مستحق أو طالب علم، أو من هو أشد حاجة - فلا يكره، بل يكون أفضل (شرح الأزهار: 1/547-548).
وعند الإباضية: هل يفرق الإمام في فقراء كل بلد أخذها منه الثلث أو النصف، ويأخذ الباقي لإعزاز دولة الإسلام؟ قولان.
قالوا: وإن احتاج إلى جميعها أخذه، ويعطيهم من قابل ما يصلح، وإن لم يحتج فرقها كلها، وإذا اكتفى أهل قرية فأقرب القرى إليها (شرح النيل: 2/138).
جواز النقل باجتهاد الإمام
والذي يلوح لي -بعد ما ذكرناه من الأحاديث والآثار والأقوال- أن الأصل في الزكاة أن تُفرق حيث جمعت، رعاية لحرمة الجوار، وتنظيمًا لمحاربة الفقر ومطاردته، وتدريبًا لكل إقليم على الاكتفاء الذاتي، وعلاج مشاكله في داخله، ولأن فقراء البلد قد تعلقت أنظارهم وقلوبهم بهذا المال، فكان حقهم فيه مقدّمًا على حق غيرهم.
ومع ذلك كله لا أرى مانعًا من الخروج على هذا الأصل، إذا رأى الإمام العادل -بمشورة أهل الشورى- في ذلك مصلحة للمسلمين وخيرًا للإسلام.
ويعجبني ما قاله الإمام مالك في هذا: لا يجوز نقل الزكاة إلا أن يقع بأهل بلد حاجة فينقلها الإمام إليهم على سبيل النظر والاجتهاد (تفسير القرطبي: 8/175).
وقال ابن القاسم من أصحابه: إن نقل بعضها لضرورة رأيته صوابًا (المرجع السابق).