واستدل أبو عبيد بما ذكرناه آنفًا من خبر معاذ الذي عاد بحلسه الذي خرج به على رقبته، وخبر سعيد الذي قال: كنا نخرج لنأخذ الصدقة فما نرجع إلا بسياطنا، وبما سنذكر قريبًا من مراجعة عمر ومعاذ حين أرسل إليه بعض ما فضل من صدقات أهل اليمن.
قال أبو عبيد: فكل هذه الأحاديث تثبت أن كل قوم أولى بصدقتهم حتى يستغنوا عنها، ونرى استحقاقهم ذلك دون غيرهم إنما جاءت به السنة لحرمة الجوار، وقرب دارهم من دار الأغنياء (نفس المرجع).
فإن جهل المصدِّق فحمل الصدقة من بلد إلى آخر سواه وبأهلها فقر إليها، ردها الإمام إليهم، كما فعل عمر بن عبد العزيز، وكما أفتى به سعيد بن جبير (نفس المرجع).
إلا أن إبراهيم (النخعي) والحسن (البصري) رخصا في الرجل يؤثر بها قرابته.
قال أبو عبيد: وإنما يجوز هذا للإنسان في خاصته وماله، فأما صدقات العوام (جمهور الأمة) التي تليها الأئمة (أو لو الأمر) فلا.
ومثل قولهما حديث أبي العالية: أنه كان يحمل زكاته إلى المدينة.
قال أبو عبيد: ولا نراه خصَّ بها إلا أقاربه أو مواليه (الأموال ص598)
جواز نقل الزكاة من بلد إذا استغنى أهله إجماعًا
وإذا كان الأصل المتفق عليه أن الزكاة تفرّق في بلد المال الذي وجبت فيه الزكاة فإن من المتفق عليه كذلك أن أهل البلد إذا استغنوا عن الزكاة كلها أو بعضها، لانعدام الأصناف المستحقة أو لقلة عددها وكثرة مال الزكاة - جاز نقلها إلى غيرهم: إما إلى الإمام ليتصرف فيها حسب الحاجة أو إلى أقرب البلاد إليهم.