وكذلك نفَّذ معاذ وصية النبي -صلى الله عليه وسلم-، ففرّق زكاة أهل اليمن في المستحقين من أهل اليمن، بل فرّق زكاة كل إقليم في المحتاجين منه خاصة، وكتب بذلك لهم كتابًا كان فيه: من انتقل من مخلاف (قال ابن الأثير في النهاية: المخلاف في اليمن كالرستاق في العراق. يعني: أنه اسم لإقليم إداري كالمحافظة). عشيرته (يعني: الذي فيه أرضه وماله) فصدقته وعشره في مخلاف عشيرته (رواه عنه طاوس بإسناد صحيح أخرجه سعيد بن منصور وأخرج نحوه الأثرم كما في نيل الأوطار: 2/161).
وعن أبي جحيفة قال: قدم علينا مصدِّق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا، فكنت غلامًا يتيمًا، فأعطاني منها قلوصًا (ناقة) (رواه الترمذي وقال: حديث حسن (المصدر السابق).
وفي الصحيح: أن أعرابيًا سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عدة أسئلة منها: بالله الذي أرسلك: آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ قال: (نعم).
وروى أبو عبيد عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال في وصيته: أوصى الخليفة من بعدي بكذا، وأوصيه بكذا، وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام: أن يأخذ من حواشي أموالهم فيردها في فقرائهم (الأموال ص595).
وكذلك كان العمل في حياة عمر: أن يفرِّق المال حيث جُمِع، ويعود السعادة إلى المدينة لا يحملون شيئًا غير أحلاسهم التي يتلفعون بها، أو عصيهم التي يتوكأون عليها:
فعن سعيد بن المسيب: أن عمر بعث معاذًا ساعيًا على بني كلاب، أو على بني سعد بن ذبيان، فقسم فيهم حتى لم يدع شيئًا، حتى جاء بحلسه الذي خرج به على رقبته (الأموال ص596) .
وقال سعد من أصحاب يعلى بن أمية، وممن استعملهم عمر في الزكاة: كنا نخرج لنأخذ الصدقة فما نرجع إلا بسياطنا (المرجع السابق في 596).