فقد عرف الناس في عصور الجاهلية وفي عهود الظلام في أوروبا وغيرها، كيف كانت تجبي الضرائب والمكوس من الفلاحين والصناع والمحترفين والتجار وغيرهم ممن يكسب رزقه بكد اليمين، وعرق الجبين، وسهر الليل، وتعب النهار، لتذهب هذه الأموال - الممزوجة بالعرق والدم والدمع - إلى الإمبراطور أو الملك أو الأمير أو السلطان، في عاصمته الزاهية، فينفقها في توطيد عرشه، ومظاهر أبهته، والإغداق على من حوله من الحراس والأنصار والأتباع، فإن بقي فضل فلتوسيع العاصمة وتجميلها واسترضاء أهلها، فإن فضل شيء فلأقرب المدن إلى جنابه العالي!! وهو في ذلك كله غافل عن تلك القرى الكادحة المتعبة، والديار العاملة النائية، التي منها جبيت هذه المكوس، وأخذت هذه الأموال (من كتابنا "مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام" ص114).
فلما جاء الإسلام وأمر المسلمين بإيتاء الزكاة، كما أمر ولي الأمر بأخذها، جعل من سياسته: أن توزع في الإقليم الذي تُجبى منه، وهذا متفق عليه في شأن المواشي والزروع والثمار، فإن الزكاة تفرق حيث يوجد المال، واتفقوا أيضًا على أن زكاة الفطر توزع حيث يقيم الشخص الذي وجبت عليه.
واختلفوا في النقود ونحوها، هل توزع حيث يوجد المال أو حيث يوجد المالك؟ (انظر حاشية الدسوقي: 1/500)، والأشهر الذي عليه الأكثرون: أنها تتبع المال لا المالك.
والدليل على هذه السياسة هو سنَّة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين، فحين وجه -صلى الله عليه وسلم- سعاته وولاته إلى الأقاليم والبلدان لجمع الزكاة، أمرهم أن يأخذوها من أغنياء البلد، ثم يردوها على فقرائه.
ولقد مرّ بنا حديث معاذ - المتفق على صحته -أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسله إلى اليمن وأمره أن يأخذ الزكاة من أغنيائهم ويردها على فقرائهم.