2- يؤكد هذا المعنى أمر آخر ذكره القاضي أبو بكر بن العربي المالكي وهو: أن التكليف والابتلاء بإخراج الزكاة ليس بنقص الأموال فقط - كما فهم أبو حنيفة - فإن هذا ذهول عن التوفية لحق التكليف في تعيين الناقص، وهو يوازي التكليف في قدر الناقص، فإن المالك يريد أن يبقى ملكه بحاله، ويخرج من غيره عنه، فإذا مالت نفسه إلى ذلك وعلقت به، كان التكليف قطع تلك العلاقة التي هي بين القلب وبين ذلك الجزء من المال، فوجب إخراج ذلك الجزء بعينه (أحكام القرآن القسم الثاني ص945) .
3- ومعنى ثالث، وهو: أن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، شكرًا لله على نعمة المال، والحاجات متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب؛ ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تُدفع به حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به (انظر المغني: 3/66).
4- وبعد ذلك قد روى أبو داود وابن ماجه (ذكره في "المنتقي"، وقال الشوكاني: صححه الحاكم على شرطهما، وفي إسناده عطاء عن معاذ، ولم يسمع منه؛ لأنه ولد بعد موته أو في سنة موته أو بعد موته بسنة (نيل الأوطار: 4/152- طبع العثمانية). أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر)، وهو نص يجب الوقوف عنده، فلا يجوز تجاوزه إلى أخذ القيمة، لأنه في هذه الحال سيأخذ من الحب شيئًا غير الحب، ومن الغنم شيئًا غير الشاة .... إلخ، وهو خلاف ما أمر به الحديث.
أدلة المجوِّزين
أما الذين أجازوا إخراج القيمة بدلاً عن العين، من الحنفية ومن وافقهم من الفقهاء، فشرحوا وجهة مذهبهم وبينوا مستندهم من العقل والنقل، بما نذكره فيما يلي:
1- إن الله تعالى يقول: (خُذْ مِنْ أموالهم صدقةً) (التوبة: 103)، فهو تنصيص على أن المأخوذ مال، والقيمة مال، فأشبهت المنصوص عليه.