أما بيان النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أجمله القرآن بمثل: (في كل أربعين شاة شاة) فهو للتيسير على أرباب المواشي، لا لتقييد الواجب به؛ فإن أرباب المواشي تعز فيهم النقود، والأداء مما عندهم أيسر عليهم (المبسوط: 2/157).
2- وقد روى البيهقي بسنده، والبخاري معلقًا عن طاوس قال: قال معاذ باليمن: ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة.
وفي رواية: "ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير" (السنن الكبرى للبيهقي: 4/113).
وذلك أن أهل اليمن كانوا مشهورين بصناعة الثياب ونسجها، فدفعها أيسر عليهم، على حين كان أهل المدينة في حاجة إليها، وقد كانت أموال الزكاة تفضل عن أهل اليمن فيبعث بها معاذ إلى المدينة عاصمة الخلافة، وقول معاذ الذي اشتهر فرواه طاوس فقيه اليمن وإمامها في عصر التابعين - يدلنا على أنه لم يفهم من الحديث الآخر الذي أمره فيه الرسول بأخذ الجنس: (خذ الحب من الحب والشاة من الغنم...) أنه إلزام بأخذ العين، ولكن لأنه هو الذي يطالب به أرباب الأموال، والقيمة إنما تؤخذ باختيارهم، وإنما عين تلك الأجناس في الزكاة تسهيلاً على أرباب الأموال؛ لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع المال الذي عنده، كما جاء في بعض الآثار: أنه -عليه السلام- جعل في الدية على أهل الحلل حللاً (الجوهر النقي لابن التركماني المطبوع مع السنن الكبرى: 4/113).
3- وروى أحمد والبيهقي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أبصر ناقة مسنة في إبل الصدقة فغضب وقال: قاتل الله صاحب هذه الناقة" !! (يعني الساعي الذي أخذها) فقال: يا رسول الله، إني ارتجعتها ببعيرين من حواشي الصدقة. قال: (فنعم إذن)، وهذا الحديث صالح للاحتجاج به من حيث السند (انظر المصدر السابق)، ومن حيث الدلالة، فإن أخذ الناقة ببعيرين إنما يكون باعتبار القيمة.