( أ ) قال الإمام الرازي في تفسيره لآية: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) (التوبة: 60). "دلت هذه الآية على أن هذه الزكاة يتولى أخذها وتفرقتها الإمام ومَن يلي من قِبَله، والدليل عليه: أن الله -تعالى- جعل للعاملين سهمًا فيها، وذلك يدل على أنه لا بد في أداء هذه الزكوات من عامل، والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات، فدل هذا النص على أن الإمام هو الذي يأخذ هذه الزكوات، وتأكد هذا النص بقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) (التوبة: 103). فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يُعرف بدليل آخر. ويمكن أن يُتمسك في إثباته بقوله تعالى: (وَفِي أمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات: 19). فإذا كان ذلك الحق حقًا للسائل والمحروم، وجب أن يجوز دفعه إليه ابتداء" (التفسير الكبير للرازي: 16/114).
على أن هذه الآية التي ذكرها الرازي لا تصلح مُتَمَسَّكًا؛ لأن حق السائل والمحروم ثابت أيضًا في الأموال الظاهرة بلا شك، ومع ذلك دلت الدلائل على أنها من شأن الإمام لا من شئون الأفراد، كما بين هو نفسه.
( ب ) وقال المحقق الحنفي الشهير كمال الدين بن الهمام: إن ظاهر قوله تعالى: (خّذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) ... الآية، يوجب حق أخذ الزكاة مطلقًا للإمام (يعني: في الأموال الظاهرة والباطنة). وعلى هذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والخليفتان من بعده. فلما ولى عثمان، وظهر تغير الناس، كره أن يفتش السعاة على الناس مستور أموالهم، ففوض الدفع إلى الملاك نيابة عنه، ولم يختلف الصحابة عليه في ذلك. وهذا لا يُسقط طلب الإمام أصلاً. ولذا لو علم أن أهل بلد لا يؤدون زكاتهم طالبهم بها (فتح القدير لابن الهمام: 1/487- طبع بولاق).