وأبرز دليل على ذلك: أن الله -تعالى- ذكر هؤلاء القائمين على أمر الزكاة جمعًا وتفريقًا، وسماهم (العَامِلينَ عَلَيْهَا)، وجعل لهم سهمًا في أموال الزكاة نفسها، ولم يحوجهم إلى أخذ رواتبهم من باب آخر، تأمينًا لمعاشهم، وضمانًا لحسن قيامهم بعملهم، قال تعالى: (إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالَمسَاكِين وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ، فَريضَةً مِّنَ اللَّهِ، واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 60).
وليس بعد هذا النص الصريح في كتاب الله مجال لترخص مترخص، أو تأول متأول، أو زعم زاعم، وخاصة بعد أن جعلت الآية هذه الأصناف وتحديدها (فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ)، ومن ذا الذي يجرؤ على تعطيل فريضة فرضها الله؟!
وقال -تعالى- في نفس السورة التي ذكر فيها مصارف الزكاة: (خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ، إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ) (التوبة: 103).
وقد ذهب جمهور المسلمين من السلف والخلف إلى أن المراد بالصدقة في هذه الآية الزكاة، كما بيَّنا ذلك في الباب الأول.
وأظهر دليل على ذلك: أن مانعي الزكاة في عهد أبي بكر تعلقوا بهذه الآية، وأنها تدل على أن الذي يأخذ الزكاة هو النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه يعطيهم بدلها الصلاة عليهم، ولم يرد عليهم أحد من الصحابة بأن الآية في غير الزكاة الواجبة، وكذلك كان موقف أئمة الإسلام من بعدهم في رد شبهتهم. وكل ما قالوه: أن الخطاب في قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولكل من يلي أمر المسلمين من بعده، حسبما فصَّلناه من قبل.
الأحاديث النبوية:
هذا ما جاء في كتاب الله. أما السنة النبوية: