وكذلك استمر الأمر في عهد الخليفة الأول أبي بكر -رضي الله عنه- . أما في خلافة عمر بن الخطاب، فقد اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، واقتضاه ذلك أن ينظم الشئون المالية، ويدوِّن الدواوين، ويقيم نظامًا رائعًا للتكافل الاجتماعي، حتى فرض لكل مولود في المجتمع الإسلامي راتبًا. وحتى شمل ذلك التكافل أهل الذمة مع المسلمين، ومثل هذا النظام يحتاج - ولا شك - إلى تمويل ضخم، وموارد غزيرة.
فلا عجب إذا رأينا عمر -رضي الله عنه- يكلف عماله أن يجمعوا الزكاة من الأموال كلها ظاهرة وباطنة، ولا يتركوها في الباطنة لأصحابها يقدمونها بأيديهم مختارين. وكل هذا تعزيز لميزانية التكافل، وتقوية لبيت مال المسلمين.
وضع عمر لذلك نظام المحصلين المعروفين باسم "العاشرين". وإنما سموا بذلك؛ لأنهم كانوا يأخذون العُشر من تجار أهل الحرب (مثلما كانوا يأخذون من تجار المسلمين) ويأخذون نصف العُشر من تجار أهل الذمة (وفق ما صالحهم عليه عمر) ويأخذون ربع العُشر من تجار المسلمين (وهو مقدار الواجب في زكاة التجارة). وذلك وفق تعليمات عمر لهم (انظر: الأموال ص531 وما بعدها). فأخذهم يدور على "العُشر" ونصفه وربعه.
واعتبر العلماء عمل الفاروق -رضي الله عنه- رفقًا بأصحاب الأموال الباطنة الذين بعدت ديارهم عن حاضرة الخلافة الإسلامية؛ إذ يشق عليهم أن يحملوا زكاة أموالهم إلى دار الخلافة، فأقام لهم العاشرين لجمعها.
وقد استمرت الزكاة تُجمع بواسطة الإمام ونوابه من الأموال الظاهرة والباطنة، وإن اختلفت طريقة عمر عن طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- وخليفته أبي بكر، وبالنظر للأموال الباطنة، لاتساع رقعة الدولة.